وذلك لأنّ التكليف في ذلك يتعلق بالإمام ، فإذا بيّن له جاز ألاّ يبيّن لغيره ويصير البيان له بياناً لغيره ، وإن لم يسمعه من الرسول ، لأنّ هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب المصلحة . قال : ثمّ حكى عن أبي عليّ أنّه قال : أتعلمون كذِبَ أبي بكر في هذه الرواية ، أم تجوّزون أن يكون صادقاً ؟ قال : وقد علم أنّه لا شيء يقطع به على كذبه ، فلابدّ من تجويز كونه صادقاً ، وإذا صحّ ذلك قيل لهم : فهل كان يحلّ له مخالفة الرسول ؟ فإن قالوا : لو كان صِدقاً لظهر واشتهر ، قيل لهم : إنّ ذلك من باب العمل ، ولا يمتنع أن ينفرد بروايته جماعة يسيرة ، بل الواحد والاثنان ، مثل سائر الأحكام ومثل الشهادات ، فإن قالوا : نعلم أنّه لا يصحّ لقوله تعالى في كتابه : * ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) * [1] . قيل لهم : ومن أين أنّه ورثه الأموال ؛ مع تجويز أن يكون ورثه العلم والحكمة ؟ فإن قالوا : إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال ؛ قيل لهم : إن كتاب الله يُبطل قولَكم ، لأنّه قال : * ( ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) * [2] ، والكتاب ليس بمال ، ويقال في اللغة : ما ورثت الأبناء عن الآباء شيئاً أفضل من أدب حَسَن ؛ وقالوا : العلماء ورثة الأنبياء ، وإنّما ورثوا منهم العلم دون المال ، على أنّ في آخر الآية ما يدلّ على ما قلناه ، وهو قوله تعالى حاكياً عنه : * ( وَقَالَ يَا أيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ ) * [3] ، فنبّه على أنّ الّذي ورث هو هذا العلم وهذا الفضل ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلق بالأول .