وبذلك ظهر أن معنى النهي لا يتجه في الأمثلة المذكورة ، إلا فيما لم يقترن بزيادة في الاسلام وكان المتعلق ماهية خارجية يؤتى بها لبعض الدواعي الشهوية والغضبية ك ( لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) [1] . الوجه الثاني : تبادر النهي من الحديث وانسباقه إلى الذهن . قال ( قده ) ( في كلام له عن هذا المسلك ) : ( وهو الذي لا تسبق الأذهان الفارغة عن الشبهات العلمية إلا إليه ) [2] وقال ( وبالجملة : فلا إشكال في أن المتبادر إلى الأذهان الخالية من أهل المحاورات قبل أن ترد عليها شبهة التمسك بالحديث في نفي الحكم الوضعي ليس إلا النهي التكليفي ) [3] . ( ويلاحظ عليه ) : إنه لا يتجه التمسك بالتبادر في المقام - كما سبق - وذلك لأن الشك ( تارة ) يكون في تشخيص المراد الاستعمالي وضعا أو انصرافا و ( أخرى ) في تشخيص توافق المراد التفهيمي مع المراد الاستعمالي وعدمه . ( وثالثة ) في تشخيص المراد التفهيمي المردد بين وجوه بعد العلم بعدم توافقه مع المراد الاستعمالي . والتمسك بالتبادر إنما يتجه في المرحلة الأولى لاثبات العلقة الوضعية أو الانصراف . وأما في المرحلتين الأخيرتين فلا عبرة بادعاء التبادر بل المناط في المرحلة الثانية وجود القرينة المعينة لهذا المعنى أو ذاك بعد وجود القرينة الصارفة عن المراد الاستعمالي . ومن المعلوم إن حمل الحديث على النهي ليس تحديدا لمدلوله الاستعمالي وإنما هو اقتراح في المراد التفهيمي بعد الاعتراف بتخالفه مع المراد الاستعمالي . فلا بد إذن من ملاحظة الجهات المحيطة بهذا الحديث لملاحظة مدى توفر القرينة على أحد الوجوه المقترحة في تحديد المراد التفهيمي وقد
[1] البقرة 2 : 197 . [2] رسالة لا ضرر : 40 - 41 ( الفصل الثامن ) . [3] رسالة لا ضرر : 40 - 41 ( الفصل الثامن ) .