وَأَمَّا قَوْلُ الْمُنَازِعِ : إنَّ فَرْضَ مَا ظَهَرَ الْغَسْلُ ؛ وَمَا بَطَنَ الْمَسْحُ ؛ فَهَذَا خَطَأٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا بَطَنَ مِنْ الْقَدَمِ يُمْسَحُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُلَاقِيهِ مِنْ الْخُفِّ ، بَلْ إذَا مَسَحَ ظَهْرَ الْقَدَمِ أَجْزَأَهُ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يَسْتَحِبُّ مَسْحَ أَسْفَلِهِ ، وَهُوَ إنَّمَا يَمْسَحُ خُطَطاً بِالْأَصَابِعِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ جَمِيعَ الْخُفِّ ، كَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ الْجَبِيرَةَ ، فَإِنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ يَقُومُ مَقَامَ غَسْلِ نَفْسِ الْعُضْوِ ، فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُهَا إلَّا بِضَرَرٍ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ ، وَشَعْرِ الرَّأْسِ ، وَظُفْرِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ ، بِخِلَافِ الْخُفِّ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ نَزْعُهُ وَغَسْلُ الْقَدَمِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ وَاجِباً ، وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ جَائِزاً : إنْ شَاءَ مَسَحَ ، وَإِنْ شَاءَ خَلَعَ .وَلِهَذَا فَارَقَ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ الْخُفَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ وَذَلِكَ جَائِزٌ .الثَّانِي : أَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إلَّا ذَلِكَ ، وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ لَا يَكُونُ فِي الْكُبْرَى ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ الْقَدَمَيْنِ ، كَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُوصِلَ الْمَاءَ إلَى جِلْدِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، وَفِي الْوُضُوءِ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ شَعْرِ الرَّأْسِ ، وَغَسْلِ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ ، فَكَذَلِكَ الْخِفَافُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا فِي الصُّغْرَى ، فَإِنَّهُ لَمَّا احْتَاجَ إلَى لُبْسِهَا صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ مَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ مِنْ الشَّعْرِ ، الَّذِي يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِهِ ، وَلَكِنْ فِيهِ مَشَقَّةٌ ، وَالْغُسْلُ لَا يَتَكَرَّرُ .الثَّالِثُ : أَنَّ الْجَبِيرَةَ يُمْسَحُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ يَحُلَّهَا ، لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتٌ ، فَإِنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ ؛ فَإِنَّ مَسْحَهُ مُوَقَّتٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، فَإِنَّ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ لَوْ كَانَ فِي خَلْعِهِ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ ضَرَرٌ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ ، مَتَى خَلَعَ خُفَّيْهِ تَضَرَّرَ ، كَمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الثُّلُوجِ وَغَيْرِهَا ، أَوْ كَانَ فِي رُفْقَةٍ مَتَى خَلَعَ وَغَسَلَ لَمْ يَنْتَظِرُوهُ ، فَيَنْقَطِعُ عَنْهُمْ فَلَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ ، أَوْ يَخَافُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ ، أَوْ كَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَاتَهُ وَاجِبٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ .فَهُنَا قِيلَ : إنَّهُ يَتَيَمَّمُ ، وَقِيلَ : إنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا لِلضَّرُورَةِ ، وَهَذَا أَقْوَى ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُمَا هُنَا صَارَ كَلُبْسِ الْجَبِيرَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ .