حَتَّى يُرْوَى عَنْ فَتْحٍ الْمَوْصِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ : صَحِبْت ثَلَاثِينَ مِنْ الْأَبْدَالِ ، كُلَّهُمْ يُوصِينِي عِنْدَ فِرَاقِهِ بِتَرْكِ صُحْبَةِ الْأَحْدَاثِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَا سَقَطَ عَبْدٌ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ إلَّا بِصُحْبَةِ هَؤُلَاءِ الْأَنْتَانِ .ثُمَّ النَّظَرُ يُؤَكِّدُ الْمَحَبَّةَ ، فَيَكُونُ عَلَاقَةً لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْمَحْبُوبِ ، ثُمَّ صَبَابَةً لِانْصِبَابِ الْقَلْبِ إلَيْهِ ، ثُمَّ غَرَاماً لِلُزُومِهِ لِلْقَلْبِ كَالْغَرِيمِ الْمُلَازِمِ لِغَرِيمِهِ ، ثُمَّ عِشْقاً إلَى أَنْ يَصِيرَ تَتَيُّماً ، وَالْمُتَيَّمُ الْمُعَبَّدُ ، وَتَيَّمَ اللَّهُ عَبَدَ اللَّهِ ، فَيَبْقَى الْقَلْبُ عَبْداً لِمَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَخاً ، بَلْ وَلَا خَادِماً ، وَهَذَا إنَّمَا يُبْتَلَى بِهِ أَهْلُ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ يُوسُفَ : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } .فَامْرَأَةُ الْعَزِيزِ كَانَتْ مُشْرِكَةً فَوَقَعَتْ مَعَ تَزَوُّجِهَا فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ مِنْ السُّوءِ ، وَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ عُزُوبَتِهِ وَمُرَاوِدَتِهَا لَهُ ، وَاسْتِعَانَتِهَا عَلَيْهِ بِالنِّسْوَةِ ، وَعُقُوبَتِهَا لَهُ بِالْحَبْسِ عَلَى الْعِفَّةِ ، عَصَمَهُ اللَّهُ بِإِخْلَاصِهِ لِلَّهِ تَحْقِيقاً لِقَوْلِهِ : { وَلَأَغْوَيْنَهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا عِبَادَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ } .قَالَ تَعَالَى : { إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلَّا مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ } .وَالْغَيُّ هُوَ اتِّبَاعُ الْهَوَى ، وَهَذَا الْبَابُ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ اتِّبَاعِ الْهَوَى .وَمَنْ أَمَرَ بِعِشْقِ الصُّوَرِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ : كَابْنِ سِينَا ، وَذَوِيهِ ، أَوْ مِنْ الْفُرْسِ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِهِمْ ، أَوْ مِنْ جُهَّالِ الْمُتَصَوِّفَةِ ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ ضَلَالٍ وَغَيٍّ ، فَهُمْ مَعَ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِ فِي الْغَيِّ ، وَالنَّصَارَى فِي الضَّلَالِ ، زَادُوا عَلَى الْأُمَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ ظُنَّ أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْعَاشِقِ : كَتَطْلِيقِ نَفْسِهِ ، وَتَهْذِيبِ أَخْلَاقِهِ ، وَلِلْمَعْشُوقِ مِنْ الشِّفَاءِ فِي