ومن الدليل على أن السماع عندهم ما تقدم ما ذكر عن أبى عثمان المغربي أنه قال من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطير وصرير الباب وتصفيق الرياح فهو مفتر مبتدع . وقال الحصري أيش أعمل بسماع ينقطع ممن يسمع منه وينبغي أن يكون سماعك سماعا متصلا غير منقطع وعن أحمد بن سالم قال خدمت سهل بن عبد الله التستري سنين فما رأيته تغير عند سماع شئ يسمعه من الذكر أو القرآن أو غيره فلما كان في آخر عمره قرئ بين يديه « فاليوم لا يؤخذ منكم فدية » تغير وارتعد وكاد يسقط فلما رجع إلى حال صحوه سألته عن ذلك فقال يا حبيبي ضعفنا وقال السلمي دخلت على أبى عثمان المغربي وواحد يستقى الماء من البئر على بكرة فقال لي يا أبا عبد الرحمن تدرى إيش تقول هذه البكرة فقلت لا فقال تقول الله فهذه الحكايات وأشباهها تدل على أن السماع عندهم كما تقدم وأنهم لا يؤثرون سماع الاشعار على غيرها فضلا على أن يتصنعوا فيها بالأغاني المطربة ولما طال الزمان وبعدوا عن أحول السلف الصالح أخذ الهوى في التفريع في السماع حتى صار يستعمل منه المصنوع على قانون الألحان فتعشقت به الطباع وكثر العمل به ودام - وإن كان قصدهم به الراحة فقط - فصار قذى في طريق سلوكهم فرجعوا به القهقرى ثم طال الأمد حتى اعتقده الجهال في هذا الزمان وما قاربه أنه قربة وجزء من أجزاء طريقة التصوف وهو الأدهى وقول المجيب وأما من دعا طائفة إلى منزله فتجاب دعوته وله في دعوته قصده مطابق حسب ما ذكر أولا بأن من دعا قوما إلى منزله لتعلم آية أو سورة من كتاب الله أو سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مذاكرة في علم أو في نعم الله أو مؤانسة في شعر فيه حكمة ليس فيه غناء مكروه ولا صحبه شطح ولا زفن ولا صياح وغير ذلك من المنكرات ثم ألقى إليهم شيئا من الطعام على غير وجه التكلف والمباهاة ولم يقصد بذلك بدعة ولا امتيازا لفرقة تخرج بأفعالها وأقوالها عن السنة فلا شك في استحسان ذلك لأنه داخل في حكم المأدبة المقصود بها حسن العشرة بين الجيران والإخوان والتودد بين الأصحاب وهى في حكم الاستحباب فإن كان فيها تذاكر في علم أو نحوه فهي من باب التعاون على الخير .