* روى أخطب خوارزم ، أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " يا عليّ إنّ الله زوّجك فاطمة ، وجعل صداقها الأرض ، فمن مشى عليها مبغضاً لها مشى حراماً " [ 1 ] . وروى المؤرّخون أنّ المأمون جمع ألف نفس من الفقهاء يتناظرون في أمر فدك ، إلى أن اتفقت كلمتهم على كونها ملكاً لفاطمة ، تردّ على ورثتها من ولدها العلويّين ، فردّها المأمون عليهم [ 2 ] . وقال أبو هلال العسكري : إنّ أوّل من ردّ فدك على العلويّين هو عمر بن عبد العزيز ، وكان معاوية أقطعها لمروان بن الحكم وعمر بن عثمان ولابنه يزيد أثلاثاً . ثمّ بعد عمر بن عبد العزيز غُصبت حتّى ردّها السفّاح على العلويّين ، ثمّ غصبت ثانياً بعده حتّى ردّها عليهم المهديّ العبّاسي ، ثمّ غصبت ثالثاً بعدها فردّها المأمون عليهم ، ثمّ غُصبت رابعة حتّى ردّها عليهم الواثق ، ثمّ غصبت خامسة حتّى ردّها عليهم المستنصر المعتمد ، ثمّ غصبت سادسة حتّى ردّها عليهم المعتضد ، ثمّ غصبت سابعة حتّى ردّها عليهم الراضي [ 3 ] . . . الخ . وهي على ما ذكره أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة ، عن محمّد بن إسحاق أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا فرغ من غزوة خيبر ، وقذف الله الرعب في قلوب اليهود من أهل فدك - وهي قرية من قرى خيبر - بعثوا إلى رسول الله ، وصالحوه على النصف من فدك ؛ حفظاً لأعراضهم وأموالهم ودمائهم ، فقبل النبيّ وصالحهم على ذلك ، وكانت له خاصّة دون المسلمين ؛ لأنّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب . ولمّا انصرف النبيّ إلى المدينة نزل عليه جبرائيل بهذه الآية : ( وءَاتِ ذا القربى حقّه ) [ 4 ] فسأله النبيّ : " من القربى ؟ وما الحقّ ؟ " قال جبرئيل : " القربى فاطمة ، فأعطها فدكاً " فدعا رسول الله فاطمة ونحلها فدكاً ، ووهبها إيّاها ، وكتب كتاباً بذلك ، وأشهد على ذلك عليّاً وأُمّ أيمن . ولمّا توفّي رسول الله اجتمعت آراء القوم على انتزاعها من فاطمة ، فأخرجوا عُمّالها عن الأرض ، وأخذوها منها . ولمّا بلغها الخبر بذلك ، لاثت [ 5 ] بخمارها ، وأقبلت في لُمة [ 6 ] من حفدتها ونساء قومها ، تطأ في ذيولها ، ما تخرم مِشيتها مِشية أبيها رسول الله ، حتّى دخلت على أبي بكر وقد حشد به الناس من المهاجرين والأنصار ، فضرب بينها وبينهم ريطة قبطيّة بيضاء . ثمّ أنّت أنَّةً أجهش [ 7 ] لها القوم بالبكاء ، ولم يُرَ في الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ ، فأمهلت طويلا حتّى سكنت من الجموع فورتهم ثمّ خطبت برفيع صوتها خطبة صكّت بها الأسماع ، وأدمعت منها العيون ، فقالت : أبتدء بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد . فعاد القوم في بكائهم ثمّ أمهلت هنيئةً حتّى إذا سكن نشيج القوم عادت في كلامها ، وقالت : الحمد لله على ما أنعم ، وله الشكر على ما ألهم ، والثناء بما قدّم ، من عموم نِعَم ابتدأها ، وسبوغ آلاء [ 8 ] أسداها ، وتمام منن والاها ، جمّ [ 9 ] عن الإحصاء عددها ، ونأى عن الجزاء أمدها ، وتفاوت عن الإدراك أبدها ، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها ، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها ، وثنى بالندب إلى أمثالها . وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، وضمن القلوب موصولها ، وأنار في الفكر معقولها ، الممتنع من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيّته . ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء [ أمثلة ] [ 10 ] امتثلها ، كوّنها بقدرته ، وذرأها بمشيّته ، من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلاّ تثبيتاً لحكمته ، وتنبيهاً على طاعته ، وإظهاراً لقدرته ، وتعبُّداً لبريّته ، وإعزازاً لدعوته ، ثمّ جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ؛ ذيادةً [ 11 ] لعباده عن نقمته وحياشةً منه إلى جنّته . وأشهد أنّ أبي محمّداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عبده ورسوله ، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله ، وسمّاه قبل أن اجتباه ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة ، عِلماً من الله تعالى بمآيل الأُمور ، وإحاطةً بحوادث الدهور ، ومعرفةً بمواقع المقدور ، ابتعثه الله تعالى إتماماً لأمره ، وعزيمةً على إمضاء حِكَمه ، وإنفاذاً لمقادير حِتَمه ، فرأى الأُمم فِرَقاً في أديانها ، عكّفاً على نيرانها ، عابدةً لأوثانها ، منكرةً لله مع عرفانها ، فأنار الله بمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ظُلمَها ، وكشف عن القلوب بهمها ، وجلّى عن الأبصار غممها ، وقام في الناس بالهداية ، وأنقذهم من الغواية ، وبصّرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى الطريق المستقيم . ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ، ورغبة وإيثار ، فمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن تَعَبِ هذه الدار في راحة ، قد حفّ بالملائكة الأبرار ورضوان الربّ الغفّار ومجاورة الملك الجبّار ، صلّى الله على أبي : نبيّه وأمينه على الوحي وصفيّه وخيرته من الخلق ورضيّه ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته . ثمّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت أنتم عباد الله نَصب [ 12 ] أمره ونهيه ، وحملة دينه ووحيه ، وأُمناء الله على أنفسكم ، وبلغاؤه إلى الأُمم ، وزعمتم حقّ لكم لله . فيكم عهد قدّمه إليكم ، وبقيّة استخلفها عليكم : كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بيّنة بصائره ، منكشفة سرائره ، متجلّية ظواهره ، مغتبطة به أشياعه ، قائد إلى الرضوان أتباعه ، مؤدٍّ إلى النجاة استماعه ، به تنال حجج الله المنوّرة ، وعزائمه المفسّرة ، ومحارمه المحذّرة ، وبيّناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورُخصه الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة . فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة تنزيهاً عن الكبر ، والزكاة تزكيةً للنفس ونماءً في الرزق ، والصيام تثبيتاً للإخلاص ، والحجّ تشييداً للدين ، والعدل تنسيقاً للقلوب ، وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة ، والجهاد عزّاً للإسلام ، والصبر معونةً على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف مصلحةً للعامّة ، وبِرّ الوالدين وقايةً من السخط ، وصلة الأرحام منماةً للعدد ، والقصاص حِقناً للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكائيل والموازين تغييراً للبخس ، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة ، وترك السرقة إيجاباً للعفّة ، وحرّم الله الشرب إخلاصاً له بالربوبيّة ف ( اتّقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ) [ 13 ] وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فإنّه : ( إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء ) [ 14 ] . ثمّ قالت : أيّها الناس اعلموا أنّي فاطمة ، وأبي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أقول عوداً وبدواً ، ولا أقول ما أقول غلطاً ، ولا أفعل ما أفعل شططاً ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) [ 15 ] فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم ، ولنعم المعزي إليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فبلّغ الرسالة ، صادعاً [ 16 ] بالنذارة [ 17 ] مائلا عن مدرجة المشركين ، ضارباً ثبجهم [ 18 ] ، آخذاً بأكظامهم ، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يكسر الأصنام ، وينكث الهامَ ، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر ، حتّى تفرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحقّ عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وطاح وشيظ النفاق ، وانحلّت عقد الكفر والشقاقَ وفهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص ( وكنتم على شفا حفرة من النار ) [ 19 ] مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرق ، وتقتاتون الورق ، أذلّة خاسئين ( تخافون أن يتخطّفكم الناس ) [ 20 ] من حولكم . فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد اللّتيا والّتي ، وبعد أن مُني ببهم [ 21 ] الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ( كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ) [ 22 ] أو نجم قرن الشيطان ، وفغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتّى يطأ جناحها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله ، سيّد أولياء الله ، مشمّراً ناصحاً ، مجدّاً كادحاً ، وأنتم في رفاهية من العيش ، وادعون فاكهون آمنون ، تتربّصون بنا الدوائر ، وتتوكّفون الأخبار ، وتنكصون عند النزال ، وتفرّون عند القتال . فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظَهَر فيكم حسيكة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلّين ، وهدر فَنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم ، فألفاكم [ 23 ] لدعوته مستجيبين ، وللغرّة فيه ملاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتم غير شربكم . هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، والرسول لمّا يُقبر ابتداراً زعمتم خوف الفتنة ( ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين ) [ 24 ] . فهيهات منكم ! وكيف بكم ؟ وأنّى تؤفكون ؟ وكتاب الله بين أظهركم ، أُموره ظاهرة ، وأحكامه زاهرة ، وأعلامه باهرة ، وزواجره لائحة ، وأوامره واضحة ، قد خلّفتموه وراء ظهوركم ، أرغبة عنه تريدون ؟ أم بغيره تحكمون ؟ ( بئس للظالمين بدلا ) [ 25 ] ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) [ 26 ] لم تلبثوا إلاّ ريث [ 27 ] أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها ، ثمّ أخذتم تورون وَقْدَتها ، وتهيجون جَمْرَتها ، وتستجيبون لهتافِ الشيطان الغويّ ، وإطفاء أنوار الدين الجليّ ، وإهماد سُنَنِ النبيّ الصفي ، تسرّون حسواً [ 28 ] في ارتغاء ، وتمشون لأهله وولده في الخَمَر والضرّاء ، ونصبر منكم على مثل جزّ المدي ووَخْز السنان في الحشا ، وأنتم تزعمون أن لا إرثَ لنا ( أفحكم الجاهليّة يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) [ 29 ] أفلا تعلمون ؟ بلى تجلّى لكم كالشمس الضاحية : أنّي ابنته . أيّها المسلمون ، أأُغلب على إرثي ؟ يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ ( ولقد جئت شيئاً فريّاً ) [ 30 ] أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ، إذ يقول : ( وورث سليمان داود ) [ 31 ] وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريّا إذ قال : ( فهب لي من لدنك وليّاً * يرثني ويرث من آل يعقوب ) [ 32 ] وقال : ( وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) [ 33 ] وقال : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الأُنثيين ) [ 34 ] وقال : ( إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين ) [ 35 ] وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أم هل تقولون : أهل ملّتين لا يتوارثان ؟ أولستُ أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي ؟ فدونكما مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحَكَم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة ما تخسرون ، ولا ينفعكم إذ تندمون و ( لكلّ نبأ مستقرّ ) [ 37 ] ( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم ) [ 37 ] . ثمّ رمت بطرفها نحو الأنصار وقالت : يا معاشر الفتية ، وأعضاد الملّة ، وأنصار الإسلام ، ما هذه الغَميزة في حقّي ، والسنة عن ظلامتي ، أما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أبي يقول : المرء يُحفظ في ولده ، سرعان ما أحدثتم ! وعجلان ذا إهالة ! ولكم طاقة بما أُحاول ، وقوّة على ما أطلب وأُزاول ، أتقولون : مات محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فخطبٌ جليل استوسع وهيه [ 38 ] واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، وكسفت [ 39 ] النجوم لمصيبته ، وأُكّدت الآمال ، وخشعت الجبال ، وأُضيع الحريم ، وأُزيلت الحرمة عند مماته ، فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى ، لا مثلها نازلة ، ولا بائقة عاجلة ، أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم ، هتافاً وصراخاً ، وتلاوة وألحاناً ، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله ، حكم فصل وقضاء حتم : ( وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) [ 40 ] . إيهاً بني قَيْلَة [ 41 ] أأُهضم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع ومنتدى ومجمع ؟ تلبسكم الدعوة ، وتشملكم الخَبرة ، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوّة ، وعندكم السلاح والجنّة ، توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح ، معروفون بالخير والصلاح ، والنجبة الّتي انتجبت ، والخيرة الّتي اختيرت ، قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكدّ والتعب ، وناطحتم الأُمم ، وكافحتم البهم ، فلا نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حلب الأيّام ، وخضعت ثغرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى حرتم بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ؟ ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ( ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدءُوكم أوّل مرّة أتخشونهم فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) [ 42 ] . ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض ، وخلوتم بالدعة [ 43 ] ونجوتم من الضيق بالسعة ، فمججتم ما وعيتم ، ودسعتم [ 44 ] الّذي تسوّغتم ( فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ الله لغنيّ حميد ) [ 45 ] . ألا وقد قلتُ ما قلتُ على معرفة منّي بالخذلة الّتي خامرتكم ، والغدرة الّتي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وخور القنا ، وبثّة [ 46 ] الصدر ، وتقدمة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر ، نقبة الخُفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله وشنار الأبد ، موصولة ب ( نار الله الموقدة * الّتي تطّلع على الأفئدة ) [ 47 ] فبعين الله ما تفعلون ( وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ) [ 48 ] . أنا ابنة ( نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) [ 49 ] ( اعملوا على مكانتكم إنّا عاملون ) [ 50 ] و ( انتظروا إنّا منتظرون ) [ 51 ] . فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان ، فقال : يابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً ، رؤوفاً رحيماً ، وعلى الكافرين عذاباً أليماً ، وعقاباً عظيماً ، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء ، وأخاً لبعلك دون الأخلاّء ، آثره على كلّ حميم ، وساعده على كلّ أمر جسيم ، لا يحبّكم إلاّ كلّ سعيد ، ولا يبغضكم إلاّ كلّ شقيّ ، فأنتم عترة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الطيّبون ، والخيرة المنتجبون ، على الخير أدلّتنا ، وإلى الجنّة مسالكنا ، وأنت يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء صادقة في قولك ، سابقة في وفور عقلك ، غير مردودة عن حقّك ، ولا مصدودة عن صدقك ، ووالله ما عدوت رأي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا عملت إلاّ بإذنه ، وإنّ الرائد لا يكذب أهله ، وإنّي أُشهد الله وكفى به شهيداً أنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضّة ولا داراً ولا عقاراً ، وإنّما نورث الكتب والحكمة والعلم والنبوّة ، وما كان لنا من طعمة فلوليّ الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه " وقد جعلنا ما حاولته في الكراع [ 52 ] والسلاح يقاتل به المسلمون ويجاهدون الكفّار ، ويجالدون المردة ثمّ الفجّار ، وذلك بإجماع من المسلمين ، لم أنفرد به وحدي ، ولم أستبدّ بما كان الرأي فيه عندي ، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك ، لا نزوي [ 53 ] عنك ، ولا ندّخر دونك ، وأنتِ سيّدة أُمّة أبيك ، والشجرة الطيّبة لبنيك ، لاندفع مالكِ من فضلكِ ، ولا يوضع من فرعكِ وأصلكِ ، حكمكِ نافذ فيما ملكت يداي ، فهل ترين أن أُخالف في ذلك أباك ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ فردّت عليه الصدّيقة ( عليها السلام ) وقالت : سبحان الله ! ما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن كتاب الله صارفاً ، ولا لأحكامه مخالفاً ، بل كان يتّبع أثره ، ويقفو سوره ، أفتجمعون إلى الغدر ؟ اعتلالا عليه بالزور ، وهذا بعد وفاته شبيه بما بُغي له من الغوائل في حياته ، هذا كتاب الله حكماً وعدلا ، وناطقاً فصلا ، يقول : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) [ 54 ] ( وورث سليمان داود ) [ 55 ] فبيّن عزّوجلّ فيما وزّع عليه من الأقساط ، وشرّع من الفرائض والميراث ، وأباح من حظّ الذكران والإناث ما أزاح به علّة المبطلين ، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين كلاّ ( بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) [ 56 ] . فقال أبو بكر : صدق الله ، وصدق رسوله ، وصدقت ابنته ، أنتِ معدن الحكمة ، وموطن الهدى والرحمة ، وركن الدين ، وعين الحجّة ، لا أُبعد صوابَك ، ولا أُنكر خطابك ، هؤلاء المسلمون بيني وبينك ، قلّدوني ما تقلّدت ، وباتّفاق منهم أخذت ما أخذت ، غير مكابر ولا مستبدٍّ ولا مستأثر ، وهم بذلك شهود . فالتفتت فاطمة ( عليها السلام ) إلى الناس وقالت : معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل ، المغضية على الفعل القبيح الخاسر ( أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) [ 57 ] كلاّ بل ران على قُلوبكم ، ما أسأتم من أعمالكم ، فأخذ بسمعكم وأبصاركم ، ولبئس ما تأوّلتم ، وساء ما به أسرتم ، وشرّ ما منه اعتضتم ، لتجدنّ والله محمله ثقيلا ، وغيّه وبيلا ، إذا كشف لكم الغطاء ، وبان ما وراء الضرّاء ، وبدا لكم من ربّكم ما لم تكونوا تحتسبون ( وخسر هنالك المبطلون ) [ 58 ] . ثمّ عطفت على قبر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقالت : قد كان بعدك أنباء وهنبثةٌ [ 59 ] * لو كنت شاهدها لم تكثر الخَطب إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها [ 60 ] * واختلّ قومك فاشهدهم وقد نكبوا وكلّ أهل له قربى ومنزلة * عند الإله على الأدنين مقترب أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لمّا مضيت وحالت دونك التُرب تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا * لمّا فقدت وكلّ الأرض مغتصب وكنت بدراً ونوراً يستضاء به * عليك تنزل من ذي العزّة الكُتُب وكان جبريل بالآيات يؤنسنا * وقد فقدت فكلّ الخير محتجب فليت قبلك كان الموت صادفنا * لمّا مضيت وحالت دونك الكُثُب إنّا رُزينا بما لم يُرزَ ذو شجن * من البريّة لا عجم ولا عرب ثمّ انكفأت ( عليها السلام ) نحو بيتها - وكان عليّ ( عليه السلام ) يتوقّع رجوعها إليه ، ويتطّلع طلوعها عليه - ولمّا استقرّت بها الدار ، قالت لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يا بن أبي طالب : اشتملت شملة الجنين ، وقعدت حجرة الظنين ، نقضت قادمة الأجدل ، فخانك ريش الأعزل ، هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحيلة أبي وبلغة ابنيّ ، لقد أجهر في خصامي ، وألفيته ألدّ في كلامي ، حتّى حبستني قيلة نصرها ، والمهاجرة وصلها ، وغضّت الجماعة دوني طرفها ، فلا دافع ولا مانع ، خرجت كاظمة ، وعدت راغمة ، أضرعت خدّك يوم أضعت حدّك ، افترست الذئاب ، وافترشت التراب ، ما كففت قائلا ، ولا أغنيت باطلا ، ولا خيار لي ، ليتني متُّ قبل هنيئتي ودون ذلّتي ، عذيري الله منك عادياً ومنك حامياً ، ويلاي في كلّ شارق ! مات العمد ووهن العضد ، شكواي إلى أبي ، وعدواي إلى ربّي ، اللّهمّ أنت أشدّ قوّة وحولا ، وأحدّ بأساً وتنكيلا . فقال لها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لا ويل عليك ، الويل لشانئك ، نهنهي [ 61 ] عن وجدك [ 62 ] يابنة الصفوة ، وبقيّة النبوّة ، فما ونيت عن ديني ، ولا أخطأت مقدوري ، فإن كنتِ تريدين البلغة ، فرزقكِ مضمون وكفيلك مأمون ، وما أُعدّ لكِ أفضل ممّا قطع عنك ، فاحتسبي الله فقالت حسبي الله ، وأمسكت . أقول : هذه الخطبة من الخُطب المشهورة الّتي روتها الخاصّة والعامّة بأسانيد متظافرة ، مع اختلافات يسيرة في بعض كلماتها ، فقد رواها ابن أبي الحديد في شرح النهج في كتاب عليّ ( عليه السلام ) إلى عثمان بن حنيف [ 63 ] . ورواها أيضاً عليّ بن عيسى الإربلي في كتابه كشف الغمّة [ 64 ] . وأشار إليها المسعودي في مروج الذهب [ 65 ] . كلّه من كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، وهو عالم ، محدّث ، كثير الأدب ، ثقة ، ورِع ، أثنى عليه المحدّثون [ 66 ] ورووا عنه مصنّفاته ، وهو قد رواها بطرق عديدة في نسخة قديمة قرئت عليه سنة 322 هجريّة ، ورواها أيضاً السيّد المرتضى ( قدس سره ) بإسناده عن عروة عن عائشة [ 67 ] . وروى بعض فقراتها الصدوق ( قدس سره ) في علل الشرائع بأسانيد عديدة [ 68 ] . ورواها أيضاً جمعٌ آخر بأسانيد مختلفة [ 69 ] فلا شبهة في صدورها من بيت الوحي . وأنّ الشيخ المفيد ( قدس سره ) روى أبياتها [ 70 ] . والسيّد بن طاووس ( قدس سره ) روى في كتاب الطرائف موضع الشكوى منها بسنده من العامّة عن ابن مردويه [ 71 ] وهو الحافظ الثقة عندهم . ورواها الطبرسي ( قدس سره ) في كتاب الاحتجاج [ 72 ] . . . إلى غير ذلك من رواتها . [ 1 ] المناقب : 328 / 345 . [ 2 ] تاريخ اليعقوبي 2 : 469 ، معجم البلدان 4 : 240 ، نهج الحقّ وكشف الصدق : 357 . [ 3 ] الأوائل : 188 . [ 4 ] الإسراء : 26 . [ 5 ] لاث به الناس ، أي : اجتمعوا حوله ، النهاية ( لابن الأثير ) 4 : 275 . [ 6 ] اللُمة - بضمّ اللام وتخفيف الميم - : الجماعة ، النهاية ( لابن الأثير ) 4 : 177 . [ 7 ] الجهش : أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء ، الصحاح ( الجوهري ) 3 : 999 . [ 8 ] السبوغ : الكمال . . [ 9 ] جمّ الشيء : كثر . [ 10 ] أضفناه من الاحتجاج . [ 11 ] الذَود والذياد : الطرد والدفع والإبعاد : انظر المصباح المنير 1 : 211 ( ذود ) . [ 12 ] النَصب - بالفتح والضمّ - العلم المنصوب ، لسان العرب 1 : 759 ( نصب ) . [ 13 ] آل عمران : 102 . [ 14 ] فاطر : 28 . [ 15 ] التوبة : 128 . [ 16 ] صدعت بالحقّ : إذا تكلّمت به جهاراً ، المصباح المنير 1 : 335 ( صدع ) . [ 17 ] النذار - بالكسر - : الإنذار ، أقرب الموارد 2 : 1288 ( نذر ) . [ 18 ] الثبج - بالتحريك - : وسط الشيء ومعظمه ، النهاية ( ابن الأثير ) 1 : 206 ( ثبج ) . [ 19 ] آل عمران : 103 . [ 20 ] الأنفال : 26 . [ 21 ] البُهمة : الشجاع الّذي يَسْتبهم على أقرانه مَأْتاه ، جمعه : بُهَم ، أقرب الموارد 1 : 65 . [ 22 ] المائدة : 64 . [ 23 ] ألفاكم : وجدكم . [ 24 ] التوبة : 49 . [ 25 ] الكهف : 50 . [ 26 ] آل عمران : 85 . [ 27 ] ريث - بالفتح - : قدر ، ورَيثما : قدر ما . المصباح المنير 1 : 247 . [ 28 ] الحَسو - بفتح الحاء وسكون السين المهملتين - : شرب المرق وغيره ، شيئاً بعد شيء . [ 29 ] المائدة : 50 . [ 30 ] مريم : 27 . . [ 31 ] النمل : 16 . [ 32 ] مريم : 5 - 6 . [ 33 ] الأنفال : 75 . . [ 34 ] النساء : 11 . [ 35 ] البقرة : 180 . [ 36 ] الأنعام : 67 . . [ 37 ] الزمر : 39 - 40 . [ 38 ] الوهي - كالرمي - الشقّ والرمي . [ 39 ] في الاحتجاج 1 : 103 . كسفت الشمس والقمر وانتثرت . . [ 40 ] آل عمران : 144 . [ 41 ] بنو قيلة : الأوس والخزرج قبيلتا الأنصار . [ 42 ] التوبة : 13 . [ 43 ] الدعة : الراحة والسكون ، مجمع البحرين 4 : 203 ( خفض ) . [ 44 ] دسع الرجل دسعاً : قاء ملءَ الفم ، ودسع بقيئه : رمى به . أقرب الموارد 1 : 333 . [ 45 ] إبراهيم : 8 . [ 46 ] البثّ : النشر والإظهار ، المصباح المنير 1 : 36 ( بثّ ) . [ 47 ] الهمزة : 6 - 7 . . [ 48 ] الشعراء : 227 . . [ 49 ] سبأ : 46 . [ 50 و 51 ] هود : 121 و 122 . [ 52 ] الكراع - بضمّ الكاف - : جماعة الخيل ، النهاية ( ابن الأثير ) 4 : 165 ( كرع ) . [ 53 ] لا نزوي : لا نقبض ولا نصرف ، انظر الصحاح 6 : 2369 ( زوا ) . [ 54 ] مريم : 6 . . [ 55 ] النمل : 16 . [ 56 ] يوسف : 18 . [ 57 ] محمّد : 24 . [ 58 ] غافر : 78 . [ 59 ] الهنبثة : واحدة الهنابث ، وهي الأُمور الشداد المختلفة ، النهاية ( ابن الأثير ) 5 : 278 ( هنبث ) . [ 60 ] الوابل : المطر الشديد ، المصباح المنير 2 : ، 646 ( وبل ) . [ 61 ] نَهْنَهْتُ الرجل عن الشيء فتنهنه ، أي : كففته وزجرته فكفّ ، الصحاح 6 : 2254 ( نهه ) . [ 62 ] الوجد من الحُزن والمُوْجِدة من الغضب ، انظر كتاب العين 6 : 169 ( وجد ) . [ 63 ] شرح نهج البلاغة 16 : 211 . . [ 64 ] كشف الغمّة 1 : 480 . [ 65 ] مروج الذهب 2 : 304 . [ 66 ] انظر شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 16 : 210 . [ 67 ] الشافي 4 : 69 - 72 . [ 68 ] لم نعثر بهذا النصّ ولكن انظر علل الشرائع 1 : 154 / باب 124 . [ 69 ] كما في تفسير القمّي 2 : 155 ، أمالي الطوسي : 694 ، بحار الأنوار 29 : 232 . [ 70 ] أمالي المفيد ( مصنّفات الشيخ المفيد 13 : 41 ) . [ 71 ] الطرائف : 248 . [ 72 ] الاحتجاج 1 : 98 - 108 .