الشيعة أوّل من كتب في الأحكام السلطانيّة لقد توهّم الكاتب مرّة أُخرى عندما نسب إلى الفكر الشيعي الإنعزال السياسي عن الساحة من دون تنظير ، ونسب إليهم ذلك من دون بحث وتحقيق ، بينما لو تتبع جيّداً في التاريخ لوجد أنّ الشيعة سبقت السنّة في التنظير والكتابة في الأحكام السلطانيّة . بعد غياب الإمام الثاني عشر ، وغياب القيادة الإلهيّة ، لم تغب الشيعة عن مسرح الأحداث ، بل راح فقهاؤهم ينظرون إلى هذه الغيبة وإلى تلك الفترة ، ويحدّدون الموقف السياسي من الحكّام والسلاطين مستلهمين تعاليم ذلك التنظير من أئمتهم ، وسبقوا كلّ المذاهب بذلك ، فقد وضعوا لشيعتهم دساتير للتعامل مع السلطان ومع الحياة السياسيّة آنذاك . فهذا شيخ القميين أبو الحسن محمّد ابن الحسن بن أحمد بن داود القمّي المتوفى سنة 368 ه قد وضع رسالة في عمل السلطان ، وهو أستاذ الشيخ المفيد [1] . وكذلك الشيخ أبو عبد الله البوشنجي الحسين بن أحمد بن المغيرة ، حيث كتب رسائل حول طريقة التعامل مع السلطان ، ثمّ كتب المفيد والمرتضى والطوسي في هذا الموضوع قبل أن يبدأ الماوردي المتوفى سنة 450 ه وغيره من السنّة بكتابة الأحكام السلطانيّة . فكيف انعزل الفكر الشيعي عن الساحة وهو من مطلع الغيبة إلى يومنا هذا يُنَظِّر
[1] الذريعة في تصانيف الشيعة : ج 15 ، ص 345 ، الطبعة الثانية .