بالانعزال ، ووضع عنواناً بارزاً سمّاه ( اعتزال الإمام زين العابدين ) [1] . ويكفي لرد هذه التهمة ما قاله العالم السنّي الشهير « الذهبي » بحقّ الإمام زين العابدين ، فقد قال : ( فقد كان - زين العابدين - أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألّهه وكمال عقله ) [2] . أضف إلى ذلك ، أنّ الإنعزال المقصود هنا ؛ إمّا اجتماعيّاً ، أو سياسيّاً . أمّا الأوّل فقد خالفه التاريخ المنقول عن زين العابدين ، يقول أبو حمزة الثمالي : ( كان زين العابدين يحمل الخبز بالليل على ظهره ، يتبع به المساكين في الظلمة ) [3] . ويقول شيبة بن نعاقة : ( لمّا مات عليّ وجدوه يعول مائة أهل بيت ) [4] . فكيف بحال المنعزل أن يتبع هؤلاء ؟ ! ونحن نجد اليوم من يتصدّى للمواقع ، ومن يدّعي ألقاباً كثيرة ، نجده غافلاً عمّا يدور حوله ، فثمّ من يدّعي أنّه أبو الأيتام وصاحب نظريّة الدفاع عن حقوق الإنسان ، بينما نجد في الواقع أنّ الناس تتضوّرون من حوله جوعاً ولا يعلم بهم . إذن ، الإنعزال الاجتماعي لا ينسجم مع التاريخ الذي وصف لنا مواقف الإمام زين العابدين . أمّا إذا كان المقصود منه سياسيّاً ، فهو لا ينسجم أيضاً مع أقوال الإمام ( عليه السلام ) في الدفاع عن الحقّ المغتصب ، وعن بيان دور الأئمّة في المجتمع ، فهو الذي يقول : « وأبناء أئمّة الهدى ، ومصابيح الدجى الذين احتجّ الله بهم على عباده ، ولم يدع الخلف سدى من غير حجّة » ، وراح الإمام يحدّد أُصولهم وفروعهم حيث يقول : « هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة ، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس
[1] أحمد الكاتب ، تطوّر الفكر السياسي : ص 29 . [2] سير أعلام النبلاء : ج 4 ، ص 398 / 157 . [3] تاريخ دمشق : ح 41 ، ص 383 ؛ حلية الأولياء : ج 3 ، ص 135 - 136 . [4] طبقات ابن سعد : ج 5 ، ص 172 / 755 .