الأوّل : أنّ الله تعالى ذكر في هذه الآية : ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ) صفات شرفه ومنقبته ، ومعلوم أنّ النبوّة أشرف صفات الإنسان ، فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها ، فوجب أن تكون نبوّته مذكورة في هذه الآية ، ولا لفظ يصلح للدلالة على النبوّة إلاّ هذه اللفظة ، فوجب حملها عليها . الثاني : أنّ الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولغيره على الإطلاق ، وذلك لا يكون إلاّ بالنبوّة . فإن قيل : كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوّة حال الصبا . قلنا لهذا السائل : إمّا أن يمنع من خرق العادة أو لا يمنع ؟ فإن منع منه فقد سدّ باب النبوّات ، لأنّ النبوّة بناء الأمر فيها على المعجزات ولا معنى لها إلاّ خرق العادات ، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد ، فإنّه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلاً أشدّ من استبعاد انشقاق القمر وانفلاق البحر ) . إذن ، لقد خالف الكاتب نص القرآن عندما قال : ( لم يعقل أن يُنَصِّب الله طفلاً ) ، وقصد الكاتب من نفيه العقلي هذا ، نفي إمامة الجواد ( عليه السلام ) لأنّه صغير ، متناسياً أنّ الإمامة تجري مجرى النبوّات ، فليس منكراً إذن أن تكون إمامة الجواد قبل أن يبلغ الرشد ، إذ يجوز للإمام أن يؤتى الحكم صبيّاً [1] . ولا يوجد سبباً لإنكار إمامة الجواد ( عليه السلام ) إلاّ صغر السن كما يقول النوبختي : ( إنّ أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) توفي وابنه محمّد ابن سبع سنين فاستصبوه واستصغروه ، وقالوا : لا يجوز الإمام إلاّ بالغاً ) [2] . ومن المعلوم أنّ أُولئك الذين استصغروه ليس كأمثال علي بن جعفر الذي جعل نفسه عبداً للإمام عندما وبّخه أصحابه لتعظيمه هذا الصغير وهو شيخ كبير ، فقال لهم : ( اسكتوا ، إذا كان الله عزّ وجلّ - وقبض على لحيته - لم يؤهّل هذه الشيبة وأهّل
[1] الإمامة وأهل البيت : ج 3 ، ص 168 . [2] فرق الشيعة : ص 97 .