وكان عطفه على كتامة عظيما لأنّهم كانوا حزب الفاطميّين منذ بداية الدعوة ، لهم فضل السبق والجهاد ، فلم ينس لهم المعزّ صنيعهم فكان يقرّبهم دوما ويثني عليهم : « بارك اللَّه فيهم وكثّر أعدادهم ! فما أسرّني بهم وباحتفالهم ، وما أحبّ إليّ « أشخاصهم وأزين في عيني منظرهم . . . أرأيت مثلهم في بهائهم وجمال « مراكبهم وحسن مناظرهم [1] ؟ » . وربّما أثار هذا العطف حفيظة العبيد من الصقالبة - ممّا يشعر بشيء من التنافس بينهم وبين الكتاميّين - فيغضب عليهم المعزّ ويؤكَّد فضل كتامة لأنّهم في نظره قد آزروا الدعوة متطوّعين ، أمّا الصقالبة فبحكم عبوديّتهم كانوا من صفّهم ، ففضلهم أقلّ . وكذلك يعمل على تطمين رجال كتامة إذا ما ظهر منهم تحفّظ إزاء قائد صقلبيّ أمّره المعزّ عليهم ، وهو جوهر ، فيستدرجهم بلطف ولين وكأنّه يخشى انتقاضهم عليه . ونراه يوصي الولاة دوما والعمّال بالعدل والأمانة ، والصدق والإخلاص ، ويحذّرهم من إخفاء ما يجب تبليغه إلى الإمام ، ويحثّهم على الرفق بالرعيّة والتحرّي في التهمة قبل إنزال العقوبة [2] . ويدعو إلى المحافظة على الأخلاق القويمة ، ولا يسمح بارتكاب ما ينهى الشرع عنه . ويذكر النعمان أنّ المعزّ تشدّد كثيرا في تتبّع النائحات وإنزال العقوبة بهنّ حتّى إنّه اتّهمه بالتقصير في هذه القضية [3] . المعزّ والعقيدة . يصوّر لنا القاضي النعمان في كتابه المجالس والمسايرات المعزّ على أنّه الرجل الذي تحصّل على علم الأوّلين والآخرين . فالمعزّ متبحّر في كلّ علم وفنّ ، عارف بعلم الظاهر وعلم الباطن وبأحكام الدين وأصوله وفروعه وبالعلوم الرياضيّة والطبّ والهندسة