نام کتاب : الشيعة في الميزان نویسنده : محمد جواد مغنية جلد : 1 صفحه : 338
قوم مؤمنين ، وأذهب غيظ قلوبهم . وقد اعتاد الناس أن يقولوا : أنت كريم لمن سرق ألفا ، وبذل منه واحدا ، بل اعتادوا أن يلقبوه بالمحسن الكبير . إذن بأي لفظ نعبر عمن بذل حياته وجميع ما يملك للناس ، بقي الإمام هو وزوجته بنت الرسول ، وولداه الحسنان ثلاثة أيام لا يذوقون شيئا ، حيث آثروا بطعامهم على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ، وباع حديقة لا يملك غيرها بإثني عشر ألف درهم وزعها على المحتاجين ، ولم يبق لأهله درهما واحدا ، وهم أحوج من يكون إلى المال . واعتاد الناس أن يقولوا للرئيس : أنت عادل ، وإن عاش في النعمة والترف ، وشعبه في البؤس والشقاء ، إذن بأي لفظ نعبر عن الإمام ، وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض في الكوفة ، وسكن في كوخ مع الفقراء ، وهو خليفة المسلمين ، وامتنع عن أكل الطيبات ، لأن في أطراف مملكته من لا عهد له بالشبع ، ولا طمع له بالقرص . قال له العلاء الحارثي : يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم . قال : ما له ؟ قال : لبس العباءة وتخلى عن الدنيا . قال : علي به ، فلما جاء قال : يا عدو نفسه ، لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ، أترى الله أحل لك الطيبات ، وهو يكره أن تأخذها ! . أنت أهون على الله من ذلك . قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك ، وجشوبة مألك . قال : ويحك ، إني لست كأنت ، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس . بهذا القياس ، بالشعب بالضعفاء والمساكين والفقراء قاس الإمام ، وهو الحاكم المطلق ، نفسه وأخاه عقيلا وولديه حسنا وحسينا ، فلقد شمل عدله القريب والبعيد ، والعدو والصديق ، كما شمل الغيث المؤمن الملحد ، بل شمل عدله الحيوان كما شمل الإنسان ، فكان يوصي من في يده إبل الصدقة أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها ، وأن لا يبالغ في حلبها خشية أن يضر ذلك بولدها ، وأن لا يركب ناقة ويدع غيرها ، بل يعدل بينها في الركوب ، وبين صواحباتها . فيا للعدالة المساواة تشمل الأحياء جميعا ، مساواة بين أفراد الحيوان ، فضلا عن أبناء الإنسان . أما العفو فهو فوق العدل ، وعفو الإمام فوق كل عفو ، قد يعفو الإنسان عمن
338
نام کتاب : الشيعة في الميزان نویسنده : محمد جواد مغنية جلد : 1 صفحه : 338