« قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ » الهمزة للإنكار ، وانّما نسبوهم إلى السفاهة مع أنهم في الغاية من الرشد والرزانة والعقل لكمال انهماكهم في الغواية ، فمن حسب الضلال هدى فسمّى الهدى لا محالة ضلالا ، وكان حينئذ كثير من المؤمنين فقراء صعاليك ، ومنهم موالي كصهيب وبلال وأمثالهم . فان قيل كيف يصحّ النفاق مع المجاهرة بقولهم ، أنؤمن كما آمن السفهاء فالجواب انّ المنافقين كانوا يتكلَّمون بهذا الكلام في أنفسهم سرّا ، دون ان ينطقوا به جهرا ، لكن هتك اللَّه استارهم ، واظهر أسرارهم ، وكانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين ، فردّ اللَّه عليهم هذا القول بقوله :
« أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ولكِنْ لا يَعْلَمُونَ » والآية تنبيه ، وردّ ، ومبالغة في تسفيههم وتجهيلهم ، فانّ الجاهل بجهله ، الجازم على ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالة من المتوقف ، فانّه ربّما ينفعه الآيات والنذر ، وقوله لا يعلمون ، بيان على أن ذلك الجهل لازم لهم ، لعدم علمهم بجهلهم ، وذلك لعدم تعقلهم بما ينفعهم وما يضرّهم ، فان العلم تابع للعقل ، وبئس العادة والخلق الجهل . روى انّه لما خلق آدم أتى اليه جبرئيل بثلاث تحف : العلم والحياء والعقل ، فقال يا آدم اختر من هذه الثلاث ما تريد فاختار العقل فأشار جبرئيل إلى العلم والحياء بالرجوع إلى مقرّ هما فقالا انّا كنّا في عالم الأرواح مجتمعين فلا نرضى ان يفترق بعضنا عن بعض في الأشباح أيضا فنتبع العقل حيث كان فقال جبرئيل عليه السّلام استقرّا فاستقر العقل في الدماغ والعلم في القلب والحياء في العين فليسارع العاقل إلى تحصيل العلم والمعرفة ، وللعقل نجوم وهي للشيطان رجوم وللعلوم أقمار وللقلوب أنوار واستبصار ، وللمعارف شموس ولها في قلوب المتقين طلوع ، وللعاملين بالتقوى مشارق ليس لها مغارب ، فالعلم بلا عمل يتيم ، والعمل بلا علم سقيم ، وهما معا صراط مستقيم . في الكافي عن السجاد عليه السّلام قال : انّ المنافق ينهى ولا ينتهى ، ويأمر بما لا يأتي ، وإذا قام إلى الصلاة اعترض ، قلت يا بن رسول اللَّه وما الاعتراض قال الالتفات وإذا رمض يمسي وهمّه العشاء وهو مقطر ويصبح وهمّه النوم ولم يسهر ، ان حدّثك كذبك وان ائتمنت خانك وان غبت اغتابك وان وعدك أخلفك [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 14 ] وإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) روى انّ عبد اللَّه بن أبي وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم