أو الحياء أو الصبر أو السخاوة أو الحلم وأمثالها كيف يتحقّق وجودها من دون ان يكون الإنسان متعاشرا في أمثاله ؟ وبئس العادة الجهل ، والخلق حال للنفس داعية لها إلى افعالها من غير فكر ورويّة ، وهذه الحالة تنقسم إلى قسمين ، منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج كالإنسان الذي يحرّكه أدنى شيء نحو غضب ويهيّج من أقلّ سبب أو يجبن من السير شيء أو يرتاع من خبر يسمعه أو يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله . ومنها ما يكون مستفادا بالعادة أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا . واختلف الناس فقال بعضهم من كان له خلق طبيعيّ لم ينتقل عنه ، وقال آخرون ليس شيء من الأخلاق طبيعيّا للإنسان بل تنتقل بالتأديب امّا سريعا أو بطيئا ، وهو المختار لأنّا نشاهد خلافه عيلنا ولأنّ القول الأوّل يؤدّى إلى ابطال قوّة العاقلة والى رفض السياسات وترك الناس همجا مهملين ، وهذا ظاهر الشناعة ، والرواقيّون قالوا انّ الناس كلَّهم يخلقون أخيارا بالطبع ثم بعد ذلك يصيرون أشرارا بمجالسة أهل الشرّ والميل إلى الشهوات الرديئة التي لا تقمع بالتأديب ، وامّا قوم آخرون قبل الرواقيين قالوا : انّ الناس خلقوا من الطينة السفلى وهي كدر العالم فهم لأجل ذلك أشرار بالطبع وانّما يصيرون أخيارا بالتأديب إلَّا انّ فيهم من هو في غاية الشرّ لا يصلحه التأديب ، وفيهم من ليس هو في غاية الشرّ فيمكن ان ينتقل من الشرّ إلى الخير بالتأديب ، وامّا جالينوس قال انّ النّاس من هو خيّر بالطبع وفيهم من هو شرير بالطبع وفيهم من هو متوسّط بين هذين وأفسد المذهبين الأوّلين وأثبت مذهبه بأن قال انّا نرى من النّاس من هو خيّر بالطبع وهم قليلون وليس ينتقل هؤلاء إلى الشرّ ومنهم من هو شرير بالطبع وهم كثيرون وليس ينتقل هؤلاء إلى الخير ، ومنهم من هو متوسّط بين هذين وهؤلاء قد ينتقلون بمصاحبة الأخيار إلى الخير وقد ينتقلون بمصاحبة الأشرار إلى الشرّ .
أقول انّ في كلام جالينوس نظرا بأن يكون من الناس شرير بالطبع لأنّه لو صح هذا لكان التكليف عليهم عبثا ولغوا ، فانّهم يكونون بطبعهم خارجين عن حدّ تعلَّق سياسة اللَّه إليهم فانّ أحدا لا يروم ان يغير حركة النار التي إلى فوق بأن يعودها الحركة إلى أسفل ، ولا ان يعود الحجر حركة العلو ولو رامه ما صحّ له ، وبهذا البيان ثبت منع