الايمان في جانب ، والكذب في جانب آخر مقابل له . وفي الحديث : ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار ، وبالجملة فقبح الكذب وحسن الصدق ضروريتان مطلقتان . انظر إلى الصبح الكاذب طالما قتل القوافل والصبح الصادق ظهر به تباشير الهداية والنور لأهل المراحل ، فلا تكدّر جوهر النفس بترك الفضائل فضلا عن ارتكاب الرذائل ويكون أول تجريد افعال النفس ان ترفعها عن رتبة الأخس التي يستحق بها المقت من اللَّه والعذاب الأليم ثمّ تكميلها بالعلوم الشريفة الأولى فالأولى ، فانّ كسب الفضائل كالصناعات في مراتب الشرف فانّ في الصناعات ما هو اشرف وما هو أدون كصناعة الطب وصناعة الدباغة التي يستصلح بها جلود البهائم ، والسيف الصمصام ، غير السيف الكهّام واعلم أن وجود الجوهر الإنساني بقدرة فاعله وخالقه تعالى ، فأمّا تجويد جوهره ففوض إلى الإنسان ليستعمل قوتيه اعني العالمة والعاملة فيما خلقا له ، فيختار الأشرف فالأشرف في العالمة ، وهو العلم بمعرفة خالقه ، وكذلك العاملة لخدمة مولاه حيث انّه عبد وما خلقت الجنّ والانس إلَّا ليعبدون ولا يهمل دقيقة ولا ساعة من عمره هاتين القوّتين ، ولما كان هذا الإنسان مركّب ومحتاج إلى أمور يتعيّش بها فلا بدّ ان يصرف بعض قواه العاملة لمعاشه بقدر ما يتوقف معاشه عليه والزائد علية تفريط للنعمة وتفويت للسعادة الانسانيّة التي خلقه اللَّه لها . واعلم أن الإنسان من بين جميع الحيوان انسيّ الطبع لا يكتفى بنفسه في تكميل ذاته ولا بدّ له من معاونة قوم كثيري العدد حتى يجرى امره على السداد ، ولهذا قال الحكماء ، انّ الإنسان مدنيّ بالطبع وكلّ انسان بالطبع وبالضرورة يحتاج إلى غيره ، ولا بدّ ان يعاشر الناس بقدر الضرورة لاحتياجه ولأنّهم يكملون ذاته ويتمّمون انسانيّته ، وهو أيضا يفعل بهم مثل ذلك ، فإذا كان الأمر كذلك كيف يؤثر الإنسان التفرّد والتخلَّى بملازمة المغارات والكهوف أو الإسكان في الصوامع أو التعيش الصعب في المفاوز ويمنع نفسه عن درك هذه الفضائل ، ولذا قيل كن بين الناس ولا تكن مع الناس ، والنهي بسبب ان الشرور فيهم غالبة على الخير لكن بالانفراد لا تظهر أفعاله الخاصّة وصار بمنزلة الجماد ، وليست الفضائل اعداما بل هي اعمال وافعال وهي تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم من ضروب الاجتماعات لأنّ العفّة مثلا