« وما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يَشْعُرُونَ » النفس ذات الشيء وحقيقته أي ان ضرر مخادعهتم راجع إليهم لا يتخطاهم إلى غيرهم وما يضرون بذلك الَّا أنفسهم فيستوجبون بذلك النفاق العقاب في العقبى وفي الحديث يؤمر بنفر من الناس يوم القيمة إلى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصور الجنة والى ما اعدّ اللَّه تعالى لأهلها نودوا ان اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بندامة وحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها فيقولون يا ربّنا لو أدخلتنا النار قبل ان ترينا ما أريتنا من ثواب ما أعددت لأوليائك فيقول ذلك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بي بارزتمونى بالمعاصي فإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين وتظهرون خلاف ما تنطوى قلوبكم عليه هبتم الدنيا ولم تهابونى ، اجللتم النّاس ولم تجلَّلونى ، فاليوم أذيقكم اليم عذابي . قال اللَّه لعيسى يا عيسى : ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا وكذلك قلبك ، وعن الصّادق عليه السّلام قال قال رسول اللَّه : ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق انتهى . والمنافق قسم معادل للمشرك حيث قال : « ويُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ والْمُنافِقاتِ والْمُشْرِكِينَ والْمُشْرِكاتِ » بل اشدّ عذابا لأنّهم في الدرك الأسفل من النار .
« وما يَشْعُرُونَ » حال من ضمير يخدعون اى ما يحسون بذلك الفعل القبيح لتماديهم في الغواية ونزّلهم منزلة الجمادات وحطَّهم من منزلة البهائم حيث سلب عنهم الحسّ الحيواني . اعلم انّ كل واحد نوع من الموجودات له كمال خاص وفعل لا يشاركه فيه غيره من حيث هو ذلك الشيء بمعنى انّه لا يجوز ان يكون موجود آخر سواه يصلح لذلك نوعا ، وهذا حكم مستمر في الأمور العلويّة والسفليّة كالشمس والكواكب وكأنواع الحيوان وكأنواع النبات والمعادن وكالعناصر ، إذا تقرر هذا فاذن نوع الإنسان له كمال وفعل خاص به لا يشاركه فيه غيره وهو ما يصدر عن قوّته المميّزة ، فكل من كان تميزه واختياره أفضل كان أكمل في انسانيته لأنّ أفضل السيوف ما كان امضى ، فمن كان أقدر على فعله الخاص به واشدّ تمسكا بشرائط جوهره الذي تميّز به عن الموجودات كان أكمل ، فانّ الفرس إذا قصّر عن كماله ولم تظهر أفعاله الخاصّة به وهو العد وحطَّ عن مرتبة الفرسيّة واستعمل بالإكاف كما يستعمل للحمير ، فإذا قصّر الإنسان عن أفعاله