أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم وفي تقديم الاستعاذة على البسملة من باب تقديم التخلية على التحلية ، فأن طبيب القلوب يبدأ أولا بتنقيتها من العقائد الزائغة ، ثمّ يعالجها بما يقويها على الطاعات ، وكذلك طبيب الأجسام ، ومن أراد قراءة القرآن والدخول في المناجاة مع الحبيب يحتاج إلى طهارة اللسان ، لأنه قد تلوث بفضول الكلام ، فيطهره بالاستعاذة . فهذه الكلمة فاتحة كلام المتقربين ، على أنه امتثال أمر رب العالمين ، حيث قال : ( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) .
فإن قيل فاستعيذ باللَّه من الشيطان الرجيم أوفق دراية لمطابقته المأمور به .
فالجواب انه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال هكذا أقرأنيه جبرئيل عن القلم عن اللوح ، فمعنى أعوذ التجئ واستعصم واستجير باللَّه ، واختلف في أن هذا الاسم الشريف علم فرد أو صفة مشتق أو غير مشتق ، قيل هو من وله لتحير العقول عن إدراك كنهه ، وقال بعض أهل التحقيق مثل السعد التفتازاني في حواشي الكشاف ، انه كما تحيرت الأوهام في ذاته وصفاته تعالى فكذا في اللفظ الدال عليه ، والاستعاذة تتناول جمع أقسام الشرور من مذاهب الباطلة وعقائد الزائغة وما يضر في الدين وهو منهيات للتكليف بل من جميع المكاره والبلايا النازلة كالغرق والحرق والعمى والزمانة والفقر وأشباهه من المخاوف والآفات ، فأعوذ باللَّه يتناول الكل فالعاقل لما علم أن التحرز من مجموع هذه الأمور لا يمكن لعدم تناهيها ، وان قدرة الخلق لا تفيء بدفعها ، فحمله وعلمه العالم بأن يقول أعوذ باللَّه القادر على كل المقدورات من الشيطان اي : المبعّد من رحمة اللَّه والاستعاذة من الجن والإنس لازمة وعظة الإنسان نفسه الزم .