طائر أخضر ! يا يونس ، المؤمن إذا قبضه اللَّه صيّر روحه في قالب كقالبه في الدنيا ، فيأكلون ويشربون ، فإذا قدم عليه القادم ، عرفوه بتلك الصورة الَّتي كانت في الدنيا .
وفي رواية أخرى عن أبي بصير قال : سألت الصادق عليه السّلام عن أرواح المؤمنين ، فقال عليه السّلام : في الجنّة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت : فلان .
وأمّا على مذهب من قال : إنّ الإنسان هذه الجمل المشاهدة وإنّ الروح هو النفس المتردّد في مخارق الحيوان وهو أجزاء الجوّ والباطن فالقول أنّه يلطف أجزاء من الإنسان لا يمكن أن يكون الحيّ حيّا بأقلّ منها يوصل إليها النعيم وإن لم تكن تلك الجملة بكمالها لأنّه لا يعتبر بالأطراف وأجزاء السمن في كون الحيّ حيّا فإنّ الحيّ لا يخرج بمفارقتها من كونه حيّا .
وربّما قيل بأنّ الجثّة يجوز أن يكون مطروحة في الصورة ولا تكون ميتة فتصل إليه اللذّات ، كما أنّ النائم حيّ وتصل إليه اللذّات مع أنّه لا يحسّ ولا يشعر بشيء من ذلك ، فيرى في النوم ما يجد به السرور والالتذاذ حتّى يودّ أن يطول نومه ولا ينتبه .
وقد جاء في الحديث أنّه يفسح له مدّ بصره ، ويقال له : نم نومة العروس وقوله :
« لا تَشْعُرُونَ » أي لا تعلمون أنّهم أحياء .
وفي الآية دلالة على صحّة مذهبنا في سؤال القبر وإثابة المؤمن فيه وعقاب العصاة على ما تظاهرت وتظافرت الأخبار به . وإنّما حمل البلخيّ ذلك المعنى الَّذي انفرد به وذكرناه لإنكاره عذاب القبر ، فإن قلت : إن كان المراد في الآية هذا المعنى الآخر فما وجه تخصيص الشهداء بها وهو مشترك في الجميع من إدراك اللذّة والألم ؟
فالمراد اختصاصهم بمزيد البهجة والكرامة والقرب ، ولكنّ القول الصحيح هو الوجه الأوّل كما قال به جلّ العلماء كالشيخ والطبرسيّ .
واعلم : أنّ نفس الإنسان وذاته الَّذي هو مخاطب مكلَّف مأمور منهيّ جسمانيّ لطيف سار في هذا البدن المحسوس سريان النار في الفحم وماء الورد في الورد ، وهو الَّذي يشير إليه كلّ أحد بقوله : أنا ، وهو الإنسان حقيقة ، وهو كان في صلب آدم حين