وقوله : « الآنَ خَفَّفَ اللَّه عَنْكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً » « 1 » وقوله : « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ » « 2 » « وما كانَ لَه عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ » « 3 » وأمثال هذه الآيات .
وقيل : معنى العلم في مثل هذه الآيات الرؤية أي لنرى ، والعرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم كقوله : « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ » وقال الفرّاء وجه آخر : وهو أنّ حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أنّ جاهلا وعاقلا اجتمعا ، فيقول الجاهل : الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل : النار يحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيّهما يحرق صاحبه ، فكذلك قوله « إِلَّا لِنَعْلَمَ » أي إلَّا لتعلموا ، والغرض من هذا الجنس من الكلام الرفق في الخطاب لا يراد المعنى المراد كقوله : « وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً » « 4 » فأضاف الكلام الموهم للشّك ترقيقا للكلام ورفقا للمخاطب والوجه الأوجه الوجه الأوّل انتهى .
* ( [ وإِنْ كانَتْ ] ) * القبلة المحوّلة * ( [ لَكَبِيرَةً ] ) * أي شاقّة ثقيلة على من يألف التوجّه إلى القبلة المنسوخة و « إن » هي المخفّفة من المثقّلة واسمها محذوف وهو القبلة * ( [ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّه ] ) * أي هداهم اللَّه وتيقّنوا أنّ السعيد الفائز من أطاع أمر مولاه .
ثمّ بيّن سبحانه أنّهم مثابون على الاتّباع فقال : * ( [ وما كانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ] ) * وثباتكم على التصديق بما جاء به النبيّ * ( [ إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ ] ) * متعلَّق « برؤف » * ( [ لَرَؤُفٌ ] ) * وذو مرحمة * ( [ رَحِيمٌ ] ) * يغفر ذنوبهم بالإيمان وإيصال الرزق .
روي أنّه أخذ بعض الأمراء قاتلا في زمن داود عليه السّلام فصلب فوق الجبل عشاء ورجع الناس إلى منازلهم وبقي على الخشبة وحده وتضرّع إلى آلهته ولمّا يمت فلم يغنوا عنه شيئا ، ثمّ رجع إلى اللَّه وقال : أنت اللَّه الحقّ أتيت إليك لتغيثني فأغثني برحمتك ، قال اللَّه : يا جبرئيل إنّ هذا عبد آلهته طويلا فلم ينتفع ففزع إليّ ودعاني ،