اتى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في رهط من قريش فقال يا محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ما أو من بك حتّى تفجر لنا ينبوعا أو تكون لك جنّة من نخيل وعنب أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيّك حتّى تنزّل علينا كتابا من اللَّه إلى عبد اللَّه بن اميّة انّ محمّدا رسول اللَّه وقال له بقيّة الرهط فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند اللَّه ، جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض ، كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند اللَّه فيها كلّ ذلك ، فنؤمن لك عند ذلك ، فانزل اللَّه تعالى هذا الآية .
والقول الثالث : انّ الخطاب لليهود ، قال الرازي : وهو الأصحّ ، لأنّ هذه السورة من اوّل قوله : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي . حكاية عنهم ومحاجّة معهم ولأنّ هذه السورة مدنيّة وجرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم .
وبالجملة : فالمعنى أتريدون وتقترحون بالسؤال كما اقترحت بنوا إسرائيل سابقا على موسى ان تسألوا رسلكم وهو في تلك الرتبة من علوّ الشأن « كَما سُئِلَ مُوسى » مشبّها بسؤال موسى « مِنْ قَبْلُ » محمّد متعلق بسئل ، جيء به للتأكيد « ومَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ » ويأخذه لنفسه « بِالإِيمانِ » بمقابلته بدلا منه « فَقَدْ ضَلَّ » وعدل وجاز من حيث لا يدرى « سَواءَ السَّبِيلِ » عن الطريق المستقيم وتاه في تيه الهوى وتردّى في مهاوي الرّدى وسواء السبيل ، وسط الطريق السويّ الذي هو بين الغلوّ والتقصير وهو الحقّ . وليس للمؤمن ان يحبّ مالا يرضيه اللَّه أو يكره ما يرضى اللَّه ومتى ما لم يراع هذه المرتبة ، يسقط عن رتبة الايمان الكامل ، قال في بستان العارفين : مثل الايمان مثل بلدة لها خمسة من الحصون : الأوّل من الذهب والثاني من فضّة والثالث من حديد والرابع من حبوكل والخامس من لبن ، فما دام أهل الحصن يعاهدون الحصن الَّذى من اللبن ، فالعدوّ لا يبلغ فيهم ، فإذا تركوا الحصن الأوّل ، طمع العدوّ في الثاني ، ثمّ في الثالث حتّى خرب الحصون ، فكذلك الايمان في خمسة من الحصون ، اوّلها اليقين ، ثمّ الإخلاص ، ثمّ أداء الفرائض ، ثمّ إتمام السنن ، ثمّ حفظ الأدب فما دام يحفظ الأدب ويتعاهده ، فانّ الشيطان لا يطمع فيه ، فإذا ترك