فتب إلى ربك ، ايّها العاصي وايّها الكافر ، فانّك قد وقعت في زمان ، يسهل عليك التوبة ، هذا إذا كان المقدم على هذا الأمر ، غير عالم بفساده ويكون في دعواه صادقا ، بأن أراد ان يكون خلالا ، فصار نباذا ، لكن لو كان عالما بمفسدته ، انّى يكون له التوبة ، وهيهات كما يفصح عن هذا الحكم ، حديث ذلك العالم الإسرائيلي ولا تكن شرّا من اليهود ، فانّ اليهود لمّا أمرهم ، موسى ، بالقتل قبلوا قوله وقالوا : نصبر لأمر اللَّه ، فجلسوا مخبتين ، مذعنين وقيل لهم : من حلّ حياته ، أو مدّ طرفه إلى قاتله ، أو اتقاه بيده أو رجله ، فهو ملعون ، مردود توبته ، فقبلوا ، فاصلت القوم عليهم السيوف والخناجر وحملوا عليهم وضربوهم بها وكان الرجل ، يرى ابنه وأباه وأخاه وقرينه وجاره ، فلم يمكنهم المضيّ لأمر اللَّه ، قالوا يا موسى ، كيف نفعل ؟ ! فأرسل اللَّه سبحانه ، سوداء ، لا يبصر بعضهم بعضا ، فكانوا يقتلونهم إلى المساء ، فلمّا كثر القتل دعا موسى وهارون وبكيا وقالا : يا ربّ هلكت بنو إسرائيل ، البقيّة البقيّة ، فكشف اللَّه السحابة ونزلت التوبة وأمرهم أن يكفّوا عن القتل ، فقتل منهم ، سبعون ألفا ، فكان من قتل شهيدا ومن بقي ، مغفورا .
وروى : انّ الأمر بالقتل ، من الأغلال التي كانت عليهم وهي من التكاليف الشاقّة عليهم من لزوم الغلّ في أعناقهم ، كقطع الأعضاء الخاطئة ومثل عدم جواز صلاتهم في غير المساجد وعدم التطهير بغير الماء ومنع الطيّبات عنهم بالذنوب وكون الزكاة ، ربع مالهم وكتابة ذنب الليل ، على أبوابهم بالصبح .
وقد روى : انّ بني إسرائيل ، إذا قاموا ، يصلَّون ، لبسوا المسوخ وغلَّوا أيديهم إلى أعناقهم وربّما ثقب الرجل ترقونه وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى سارية المسجد وحبس نفسه على العبادة ، فهذه الأغلال ، التي كانت عليهم وقد رفعها اللَّه ، عن هذه الامّة تكريما للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وأعظم جميع نعم اللَّه ، على هذه الامّة المرحومة ، بعد نعمة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، نعمة التوبة ، التي أنعم اللَّه بها ، عليهم ولها مراتب ، فأقلّ مرتبتها ترك المنهيات والقيام بالواجبات وقضاء الفوائت وردّ الحقوق والاستحلال من المظالم والندم على ما