الإقبال عليها بالتكميل لتقوم بالحقّ ، وتقيم غيرها ، لا انّ الفاسق ممنوع عن الأمر بالمعروف والمواعظ الشافية ، فانّ الإخلال بأحد المأمورين ، لا يوجب الإخلال بالآخر حكى انّه كان عالم من العلماء ، قوىّ التصرف في القلوب ، مؤثّر الكلام ، وربّما يموت من أهل مجلسه واحد واثنان ، من شدة تأثير وعظه ، وكان في بلده ، عجوز لها ابن صالح رقيق القلب ، سريع الانفعال ، وكانت تحرز عليه ، وتمنعه من حضور مجلس - الواعظ ، فحضره على حين غفلة منها ، فوقع من امر اللَّه ما وقع ، ثم انّ العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق ، فقالت :
أتهدي الأنام ولا تهتدى الا انّ ذلك لا ينفع فيا حجر الشحذ حتّى متى تسنّ الحديد ولا تقطع فلمّا سمعها الواعظ ، شهق شهقة ، فخرّ مغشيّا عليه ، فحملوه إلى بيته فتوفّى ! ! قال الأوزاعي : شكت النواويس إلى اللَّه ، ما تجده من جيف الكفّار ، فأوحى اللَّه إليها ، بطون العلماء السوء ، أنتن ممّا أنتم فيه - انتهى أقول : انّ الواعظ سواء كان عاملا ، أو غير عامل ، لا بدّ منه إن يلاحظ هذه النكتة الدقيقة ، وهي انّه يثبت للمستعين جهلا ، ولنفسه فضلا عليهم ، وهو محض كبر وعجب وحيل النفس والشيطان كثيرة ، وهذا الأمر يهلكه .
قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 45 ] واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) قيل : الخطاب لليهود ، وكان حبّ الرياسة وأخذ الأموال يمنعهم عن اتّباع النبيّ ، فأمرهم اللَّه بان استعينوا على الوفاء بعهدي الَّذى عاهدتكم عليه من طاعتي ، بالصبر على ما أنتم عليه من ضيق المعاش ، الَّذى كنتم تأخذون عن عوامكم بسببه ، وروى عن ائمّتنا عليم السلام انّ المراد بالصبر ، الصوم ، فيكون فائدة الاستعانة ، كسر سورة النفس والشره ، كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الصوم وجاء ، وفائدة الاستعانة .
« واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ » الاستعانة بالصلاة ، انّه يتلى فيها ما يرغب فيما عند اللَّه ، ويزهد في الدنيا وحبّ المال والجاه ، كما قال : انّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وكان النبىّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذا حزنه امر ، استعان بالصلاة والصوم .