نام کتاب : تفسير مجمع البيان نویسنده : الشيخ الطبرسي جلد : 1 صفحه : 457
صباء ، وبعضها دبور ، أو بعضها شمالا ، وبعضها جنوبا . وقيل : تصريفها بأن جعل بعضها يأتي بالرحمة ، وبعضها يأتي بالعذاب ، عن قتادة . وروي أن الريح هاجت على عهد ابن عباس ، فجعل بعضهم يسب الريح ، فقال : لا تسبوا الريح ، ولكن قولوا : اللهم اجعلها رحمة ، ولا تجعلها عذابا . ( والسحاب المسخر بين السماء والأرض ) أي : المذلل ( لآيات ) أي : حججا ودلالات ( لقوم يعقلون ) قيل : إنه عام في العقلاء من استدل منهم ، ومن لم يستدل . وقيل : إنه خاص بمن استدل به ، لأن من لم ينتفع بتلك الدلالات ، ولم يستدل بها ، صار كأنه لا عقل له ، فيكون مثل قوله ( إنما أنت منذر من يخشاها ) ، وقوله : ( هدى للمتقين ) . وذكر سبحانه الآيات والدلالات ، ولم يذكر على ماذا تدل ، فحذف لدلالة الكلام عليه . وقد بين العلماء تفصيل ما تدل عليه فقالوا : أما السماوات والأرض ، فيدل تغير أجزائهما واحتمالهما الزيادة والنقصان ، وأنهما [1] من الحوادث لا ينفكان عن حدوثهما ، ثم إن حدوثهما وخلقهما يدل على أن لهما خالقا لا يشبههما ، ولا يشبهانه ، لأنه لا يقدر على خلق الأجسام إلا القديم القادر لنفسه ، الذي ليس بجسم ولا عرض ، إذ جميع ما هو بصفة الأجسام والأعراض محدث ، ولا بد له من محدث ليس بمحدث لاستحالة التسلسل ، ويدل كونهما على وجه الإتقان والإحكام ، والاتساق والانتطام ، على كون فاعلهما عالما حكيما . وأما اختلاف الليل والنهار ، وجريهما على وتيرة واحدة ، وأخذ أحدهما من صاحبه الزيادة والنقصان ، وتعلق ذلك بمجاري الشمس والقمر ، فيدل على عالم مدبر يدبرهما على هذا الحد ، لا يسهو ولا يذهل من جهة أنها أفعال محكمة ، واقعة على نظام وترتيب ، لا يدخلها تفاوت ولا اختلال . وأما الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، فيدل حصول الماء على ما تراه من الرقة واللطافة التي لولاها لما أمكن جري السفن عليه ، وتسخير الرياح لإجرائها في خلاف الوجه الذي يجري الماء إليه ، على منعم دبر ذلك لمنافع خلقه ، ليس من جنس البشر ، ولا من قبيل الأجسام ، لأن الأجسام يتعذر عليها فعل ذلك .