القرآن نزل بلسان العرب ولغتهم ، قال اللَّه عزّ اسمه : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [1] وقال تعالى : قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [2] وقال تعالى : ولَوْ جَعَلْناه قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُه ءَ أَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ [3] .
فإذا ثبت أنّ القرآن نزل بلغة العرب ، وخوطب المكلَّفون في معانيه على اللسان ، وجب العمل بما تضمّنه على مفهوم كلام العرب دون غيرهم .
والأشهر عند العرب إنّما سمّيت بدلك ، لاشتهارها بالهلال ، قال اللَّه عزّ اسمه : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّه اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّه يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ [4] وقال تعالى : * ( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيه الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى والْفُرْقانِ ) * فسمّى اللَّه تعالى الأشهر بما وضعت لها العرب بهذه التسمية .
وقد بيّنّا أنّها وضعتها للشهر من حيث اشتهر بالهلال ، وكان الهلال علامته ودليله ، والهلال إنّما سمّي هلالا لارتفاع الأصوات عند رؤيته بالتكبير والإشارة إليه [5] ومن ذلك سمّي استهلال الصبي إذا بكى وصاح ، فقيل : استهلّ الصبي ، يعنون ظهر صوته بالبكاء ونحوه .
فإذا كان الشهر هو ما اشتهر بالهلال ، ثبت أنّه دليله دون ما سواه ، وذلك إبطال قول أصحاب العدد في علامات الشهور ، وأنّها تخرج بالحساب ، ودفعتهم بذلك الحاجة إلى الأهلَّة . ويؤكّد ما ذكرناه ، قول اللَّه تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ [6] يريد به أنّها علامات الشهور وأوقات الديون ، وأيّام الحجّ وشهوره .
وهذا بالضدّ مما ذكره أصحاب العدد في علامات الشهور ، وخالفوا نصّ القرآن ولغة العرب ، وفارقوا بمذهبهم فيه كافّة علماء الإسلام ، وباينوا أصحاب علم النجوم ،