الحقّ لي فيما تقدّمها ، وانكشف بترادف الحجج التي أوردتموها ، ما كان مستورا عنّى من ضعف تأوّل مخالفيكم لها ، غير أنّى واصف استدلالا لهم من آي أخر على ما يدّعونه من إمامة أبي بكر وعمر ، لأسمع ما عندكم فيه ، فإنّ أمره قد اشتبه عليّ ولست أجد محيصا عنه ، وذلك أنّهم قالوا : وجدنا اللَّه تعالى يقول في سورة الفتح : * ( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّه مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) * .
ثمّ قال : * ( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّه أَجْراً حَسَناً وإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) * .
قالوا : فحظَّر اللَّه على نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله إخراج المخلَّفين معه بقوله : * ( قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّه مِنْ قَبْلُ ) * .
ثمّ أوجب عليهم الخروج مع الداعي لهم من بعده إلى قتال القوم الذين وصفهم بالبأس الشديد من الكفّار ، وألزمهم طاعته في قتالهم حتّى يجيبوا إلى الإسلام ، ووجدنا الداعي لهم إلى ذلك من بعده أبا بكر وعمر لأنّ أبا بكر دعاهم إلى قتال المرتدّين ، وكانوا اولي بأس شديد على الحال المعروفة ، ثمّ دعاهم عمر بن الخطَّاب من بعده إلى قتال أهل فارس ، وكانوا كفّارا أشدّاء ، فدلّ ذلك على إمامتهما بما فرض اللَّه تعالى في كتابه من طاعتهما [1] ، فهذا دليل للقوم على نظامه الذي حكيناه ، فما قولكم فيه ؟
قيل له : ما نرى في هذا الكلام ، على إعجاب أهل الخلاف به ، حجّة تؤنس ، ولا شبهة تلتبس ، وليس فيه أكثر من الدعوى العريّة عن البرهان ، ومن لجأ إلى مثله فيما يجب بالحجّة والبيان ، فقد كشف عن عجزه وشهد على نفسه بالخذلان ، وذلك أنّ متضمّن الآي ينبئ عن منع المخلَّفين من اتّباع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله عند الانطلاق إلى المغانم التي