كلّ ماض لسبيله ، وإنّما يتنّعم من منهم محض الإيمان محضا ، فأمّا سوى هذين يلهى عنهم " [1] وكذلك روي أنّه لا يسأل في قبره إلَّا هذان الصنفان خاصة [2] ، فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه .
وأمّا كيفية عذاب الكفّار في قبرهم ، ونعم المؤمن فيه ، فإنّ الخبر قد ورد أيضا بأنّ اللَّه تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنّة من جنانه ينعّمه فيها إلى يوم الساعة ، فإذا نفخ في الصور ، أنشأ جسده الذي بلى في التراب وتمزّق ، ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف وأمر به جنّة الخلد ، ولا يزال منعما ببقاء اللَّه عزّ وجلّ .
غير أنّ جسده الذي يعاد فيه ، لا يكون على تركيبه في الدنيا ، بل يعدّل طباعه ويحسّن صورته ولا يبدّل مع تعديل الطباع ، ولا يمسّه نصب في الجنة ولا لغوب .
والكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا في محلّ عذاب يعاقب به ونار يعذّب بها حتى الساعة ، ثم ينشأ جسده الذي فارقه في القبر ، ويعاد إليه فيعذّبه به في الآخرة عذاب الأبد ، ويركّب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه [3] ، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ) * . وقال في قصة الشهداء : ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [4] .
وهذا قد مضى فيما تقدّم .
فدلّ على أنّ الثواب والعذاب يكون قبل يوم القيامة وبعدها ، والخبر وارد بأنّه يكون مع فراق الروح والجسد في الدّنيا [5] ، والروح هاهنا ، عبارة عن انفعال الجوهر البسيط ، وليس بعبارة عن الحياة التي يصحّ معها العلم والقدرة ، لأنّ هذه الحياة عرض لا تبقى ، ولا يصحّ عليها الإعادة .
فهذا ما عوّل عليه أهل النقل وجاء به الخبر على ما بيّنّاه [6] .