فَمَنْ يُرِدِ اللَّه أَنْ يَهْدِيَه يَشْرَحْ صَدْرَه لِلإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيِّقاً حَرَجاً [1] ، فليس للمجبّرة به تعلَّق ، ولا فيه حجّة من قبل أنّ المعنى فيه : أنّ من أراد اللَّه تعالى أن ينعّمه ويثيبه جزاء على طاعته ، شرح صدره للإسلام بالألطاف التي يحبوه بها ، فييسّر له بها استدامة أعمال الطاعات ، والهداية في هذا الموضع هي النعيم .
قال اللَّه تعالى فيما خبرّ به عن أهل الجنّة : الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي هَدانا لِهذا [2] الآية ، أي نعّمنا به وأثابنا إيّاه .
والضلال في هذه الآية هو العذاب ، قال اللَّه تعالى : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وسُعُرٍ [3] ، فسمّى العذاب ضلالا والنعيم هداية ، والأصل في ذلك أنّ الضلال هو الهلاك والهداية هي النجاة .
قال اللَّه تعالى حكاية عن العرب : أَإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [4] ، يعنون إذا هلكنا فيها ، وكان المعنى في قوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّه أَنْ يَهْدِيَه ما قدمّناه وبيّناه ، ومن يرد أن يضله ما وصفناه ، والمعنى في قوله : يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيِّقاً حَرَجاً ، يريد سلبه التوفيق عقوبة له على عصيانه ومنعه الألطاف جزاء له على إساءته ، فشرح الصدر ثواب الطاعة بالتوفيق ، وتضييقه عقاب المعصية بمنع التوفيق .
وليس في هذه الآية على ما بيّنّاه شبهة لأهل الخلاف فيما ادّعوه من أنّ اللَّه تعالى يضلّ عن الإيمان ، ويصدّ عن الإسلام ، ويريد الكفر ويشاء الضلال .
وأمّا قوله تعالى : ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [5] .
فالمراد به الأخبار عن قدرته ، وأنّه لو شاء أن يلجئهم إلى الإيمان ويحملهم عليه بالإكراه والاضطرار ، لكان على ذلك قادرا ، لكنّه شاء تعالى منهم الإيمان على الطوع والاختيار ، وآخر الآية يدلّ على ما ذكرناه وهو قوله تعالى : أَفَأَنْتَ تُكْرِه النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ