تعلَّق فعله بالمشورة دون العزم الذي يختصّ به ، فلمّا جاء الذكر بما تلوناه سقط ما توهّمته .
فأمّا وجه دعائهم إلى المشورة عليه صلَّى اللَّه عليه وآله ، فإنّ اللَّه أمره أن يتألَّفهم بمشورتهم ويعلَّمهم بما يصنعونه عند عزماتهم ليتأدّبوا بآداب اللَّه عزّ وجلّ ، فاستشارهم لذلك لا للحاجة إلى آرائهم ، على أنّ هاهنا وجها آخر بيّنا وهو أنّ اللَّه سبحانه أعلمه أنّ في أمّته من يبتغي له الغوائل ويتربّص به الدوائر ويسير خلافه ويبطن مقته ويسعى في هدم أمره ويناقضه ( ينافقه خ ل ) في دينه ولم يعرفه بأعيانهم ولا دلَّه عليهم بأسمائهم ، فقال عزّ اسمه : ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ [1] . وقال جلّ اسمه : وإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّه قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [2] .
وقال تبارك اسمه : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّه لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [3] ، وقال : ويَحْلِفُونَ بِاللَّه إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وما هُمْ مِنْكُمْ ولكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [4] .
وقال عزّ من قائل : وإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ [5] .
وقال جلّ جلاله : وإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا [6] ، ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وهُمْ كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إِلَّا وهُمْ كارِهُونَ [7] .
ثم قال سبحانه بعد أن أنبأه عنهم في الجملة :