ما يلزمه من الانكسار ، وقمع الشهوات ، والذلّ ، ورفع الأشر والبطر الذي هو مبدء الطغيان ، والغفلة عن الرحمان ، فقد قيل : إنه لا تنكسر النفس ولا تذلّ بشيء مثل ما تذّل بالجوع ، فعنده تستكين لربّها ، وتخشع له وتشاهد عجزها وضعفها ، حيث إنّها عجزت ، وذلَّت ، وضعفت ، وأظلمت عليها الدنيا وضاقت حياتها ، واستكانت لربّها ، بلقمة طعام فاتتها ، أو شربة ماء تأخّرت عنها ، وما لم يشاهد الإنسان ذلّ نفسه ، وعجزها ، لا يرى عزة ربّه ، وقهره ، وجلالته « 1 » ثم لا يخفى أنّ مبدء المعاصي كلَّها هو الشهوات النفسانية ، والميول الحيوانية التابعة للقوى الطبيعية ، والإرادية ، ومادّة كلّ ذلك هي الأطعمة التي يستمدّ منها القوى البهيمية والشهوات النفسانية ، فتقليلها يضعّف جميعها ، فيجعلها مقهورة ، تحت سلطان العقل ، فالسعيد من ملك نفسه ، والشقي من ملكته نفسه ، وأمّا النفس كالدابة الجموح إذا جاعت ضعفت ، وضمرت ، وانقادت ، وإذا شبعت قويت ، وشردت ، وجمحت ولذا قيل : إنّ الجوع كنز الفوائد ومجمع العوائد وإنّه خزانة من خزائن اللَّه تعالى ، ولعلَّه أيضا أحد الوجوه في النبوي ( ص ) : المعدة بيت كلّ داء ، والحمية رأس كل دواء ، ثم إنّ الجوع يعين على غيره من الأمور الأربعة المذكورة وعلى غيرها .
أمّا السهر فقلَّة الأكل ، وخلوّ المعدة ، وقلَّة الأبخرة المتصاعدة وضعف القوى البدنية كلها تعين عليه ، وسبب الجميع هو الجوع ، كما أنّ الشبع سبب لأضدادها ، ولذا قيل : لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا ، فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا « 2 » ، والسهر يجلي القلب ، وينوّره ، ويصفّيه ، فيصير القلب كالمرآة المجلَّوة المستعدة