لظهور ما قوبل بها فيها .
وأمّا العزلة والصمت فالمقصود الكلَّي منهما دفع الشواغل الخارجة ، وضبط السمع والبصر الذين هما دهليز القلب عن الواردات الشاغلة له عما ينبغي الاشتغال به ، ولذا قيل : إنّ القلب بمنزله حوض تنصبّ فيه مياه كدرة قذرة من أنهار الحواسّ ، والمقصود من الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ، ومن الطين الحاصل فيه لينحضر أسفل الحوض ، فينفجر منه الماء اللطيف الطاهر فكيف يصحّ أن ينزع الماء من الحوض والأنهار مفتّحة إليه فيتجدّد في كل حالة أكثر مما ينقص ، فلا بدّ من ضبط الحواسّ إلا عن قدر الضرورة .
وبالجملة فالَّذي ذكروه من الرياضة بالأمور الأربعة ، وغيرها مما يوجب صفاء النفس وتفريغها ، وميلها إلى عالم الأعلى إنّما يوجب في الغالب صيرورة المعتقدات بمنزلة المشاهدات ، وأمّا الإصابة والمطابقة للواقع فإنما هي أمر آخر وراء ذلك حسبما مرّت إليه الإشارة ، وإنّما تحصل بملازمة الشرع ومداومة التقوى ، والاعتصام بحبل الولاية ، ولزوم الاستقامة من البداية إلى النهاية .
ولذا ترى كثيرا من العامّة بل غيرهم من فرق الكفر والشرك أيضا ينكشف لهم في رياضاتهم ومجاهداتهم المنحرفة المبتدعة صحة مذاهبهم الباطلة وعقائدهم السخيفة الزائلة كما هو المعروف من ابن العربي في مشاهداته وغيره ، بل ربما تقذف الشياطين في قلوبهم ، ويسمعهم صوتها في آذانهم كما سمعه الحسن البصري حين تهيّأ لقتال البصرة على ما رواه في الاحتجاج عن ابن عباس قال : مرّ أمير المؤمنين عليه السّلام بالحسن البصري « 1 » ، وهو يتوضّأ فقال عليه السّلام : يا حسن أسبغ