القاعدة السادسة في إبطال تعدّد القراءات ( لا يجوز للباحث في هذا المنهج الاعتقاد بصحّة جميع القراءات للفظ الواحد ويتوجّب عليه الأخذ بالقراءة التي تطابق النظام القرآني ولو كانت شاذّة وعند غياب القراءة المطابقة للنظام يجب التوقّف والمُرور من طريقٍ آخر أو الترك ) .
نحن لحدّ الآن بأي تطبيقٍ للمنهج على الألفاظ القرآنية ، وما مرّ عليك إن هو إلاَّ توضيحٌ مقتضبٌ لقواعد هذا المنهج . فالنظام القرآني المحكم أشبه بقاعةٍ حصينةٍ جداً فيها غُرَفُ لا تُعدّ ولا تُحصى ، وفي الغرف خزائن لا حصر لعددها ، وفي الخزائن جواهر لا تشبه جوهرةٌ جوهرةً أخرى ، ومفاتيحُها أسرارٌ . ولكلّ غرفةٍ مفتاحٌ خاصٌّ لا تفتح إلاَّ به ، ولا يمكن فتح جميع الخزانات إذا فتحت غرفةٌ من الغرف ، ولا يمكن كذلك التقاط جميع الجواهر من خزانةٍ إذا فتحت . وفوق ذلك كلّه وأهمّه لا يمكن معرفة حقيقة كلّ جوهرة في الخزانة .
إنَّ القراءة هي أحد مفاتيح المرور إلى هذه الخزانة إضافةً إلى الالتزام بالقواعد المّارة آنفاً . وقد وجد المنهج اللفظي أن القراءة هي أحد أهم أواصر النظام القرآني المحكم ، وأنّ هذه الأواصر هي التي تقوم أحياناً بالسماح بالمرور أو عدمه . والمرور في هذا المنهج ليس خدعة ولا يمكن أن يكون خدعةً . فالشعور به هو عين الشعور عند المّار حقيقة ماشياً على قدميه في دهليزٍ . فهل يشكّ في أنَّهُ خارج الدهليز أو فيه ؟ إنَّهُ يعلم موضعه ، ويعلم كذلك إنْ كانت إحدى الأبواب يمكن فتحها أو لا يمكن ، كما يعلم إذا فُتحت أنها فعلاً فُتحت .
فالنظام القرآني مثلما يحكم الباحث فإنَّهُ يدلّهُ أيضاً ويحدّد له موضعه من الحركة ، لأنَّ في تلك الطرق والمسالك علامات وإشارات ولافتات للمرور أو عدم المرور ، بل وهناك لافتات تقول ( انتظر ) ، وأخرى تقول ( بإمكانك الدخول لكن من الطريق الفلاني ) ، وثالثةٌ تقول بكلِّ وضوحٍ ( الأفضل أن ترجع الآن نخشى عليك عدم احتمال ما في الخزانة ) ،
