وقد قال صاحب كتاب ( الصورة الفنية ) كلاماً حسناً هذا نصّه :
( وعلى هذا فلا يمكن أن نصفَ المثل القرآني عامةً بالإيجاز ولا أن نميّزه بالإطناب فهو موجزٌ بقَصْر الألفاظ على المعنى المراد ولكنه مطنب في تفصيل ذلك وإيضاح مجهولاته . فالمثل القرآني على نوعين طويل وقصير وكلاهما متّصفٌ بالإيجاز من جهة اللفظ وبالإطناب من جهة الجزئيات دون إخلالٍ بغرض الإيجاز ) . ( الصورة الفنية في المثل القرآني / 216 د . محمد حسين الصغير ) وأنت ترى أن الكاتب قد علِمَ ما في هذه الأقوال من جرأةٍ على القرآن فأمكنه التخلّص من مشكلة التعارض مع ( ما وجدنا عليه آباءنا ) بإعطاء الإطناب معنى هو غير معناه في الاصطلاح النقدي ، وتوظيف هذا المعنى لخدمة ما يؤمن به ( وهو الحق ) من أن القرآن كلّه موجزٌ في ألفاظه مطنبٌ في معانيه . ولكنه سرعان ما نسيَ قوله وتابع ( آباءنا ) ، فوضع بعد قليلٍ عنواناً كبيراً سمّاه ( موارد الإطناب في المثل القرآني ) ، وآخر سمّاه ( موارد الإيجاز في المثل القرآني ) وانغمر في ركام الموروث النقدي فراح يشرح سبب الإيجاز بقوله ( قصرُ اللفظِ على المعنى والحذف والاختصار ) . وبدلاً من أن يجعل العنوان ( الآيات الطويلة والآيات القصيرة ) كما ارتأى ذهب بعيداً على طريقتهم في تقسيم الحذف والاختصار إلى أنواع .
والمنهج اللفظي لا يحتاج إلى دليلٍ بعد ذلك لإثبات صحّة ما يراه في هذه المسألة بدراسة نماذج للإطناب المزعوم ، إذ يكفي الدليل المنطقي الذي ساقه آنفاً . كما يكفي فيه نسف فكرة الحذف والاختصار التي هي أساس موضوع الإطناب بما مرّ عليك من نماذج في القواعد السابقة وبما يأتيك منها في شواهد أخرى من هذه المقدّمة .
