والغشيان والملامسة والمباشرة والاقتراب والرفث والتَماس . . كلّ هذه المفردات وردت في القرآن كنايةً عن شيءٍ واحدٍ هو الجماع . فقد خالفوا هنا قواعدهم في تعريف الاستعارة كونها حمل اللفظ على معنى غير الذي وضع له في الأصل . والعجيب أنَّهم أثبتوا للفظ أصلاً من جهةٍ وتركوا السؤال عنه من جهةٍ أخرى .
أتدري لماذا ؟ لأنَّ التفاخر باستخراج عدد أكبر من الاستعارات في القرآن هو الهدف الأهم ! ! وعليه فما أكثر الاستعارات التي خرج بها المعنى عن أصله . ولكن عند التفسير يُنسى الأصل . فهذه المفردات التسعة لم يسألوا ما هو الأصل الذي وُضعت له ، ويكون حملها على أقرب المعاني المتبادرة إلى الذهن الإنساني القاصر هو أيسر السبل للخلاص من محنة البحث عن الأصل .
فتخيّل . . كم من المعارف والعلوم النفسية والقواعد الاجتماعية والأحكام الشرعية سيخرج من هذه الألفاظ التسعة ومواردها ، وشروط وضع كلّ منها في ترتيبه الخاص في التراكيب القرآنية ، واقتراناتها بالألفاظ المجاورة ؟
إنَّكَ لو وضعتَ أيَّ لفظٍ مكان أيِّ لفظٍ آخرٍ منها لتهدّم البناء الهندسي للقرآن لا في تلك الآية والآيتين ، بل بناء كلّ لفظٍ في التراكيب الخاصة . ومن ثُمَّ التراكيب الأخرى التي اشتركت معها في الألفاظ حتى لا يبقى شيء على وجهه الصحيح مطلقاً . فلكلٍّ من هذه الألفاظ معناه المميَّز تميّزاً شديداً عن الآخر .
الفرع الثالث : في إبطال الإيجاز والإطناب :
( لا يجوز للباحث الاعتقاد بوجود موارد فيها إيجاز وأخرى فيها إطناب في القرآن في أي موضع منه سواء آياته الطويلة أو القصيرة مكية أو مدنية ) .
شرح الفرع :
الإيجاز والإطناب من مواضيع البلاغة . ووُضِعَ الفرعُ هنا لعلاقة المجاز والاستعارة بعلم البيان والمعاني ، وهي من فروع البلاغة أو عين البلاغة على بعض التعاريف ، والإيجاز والإطناب من فروع ذلك عندهم .
