أخرى . فالفرض القرآني يفيد أن القرآن لو أُنزِلَ على الجبل لتصدّع ، والفرض المجازي ذكر أن الجبل لو كان يعي لتصدّع .
ومعنى ذلك أن الأشياء كلها صارت معكوسة : ففي الفرض القرآني أن الجبل يعي ويفهم ، ولكن القرآن لم ينزل عليه ولو نزل لتصدّع ، بينما الفرض المجازي أفاد أن الجبل لا يعي ولا يفهم ولذلك لم يتصدّع . فالعلّة في عدم تصدّعه ( قرآنياً ) غير العلّة في قول الشريف الرضي .
فكأنّه قال : أن القرآن أُنزِلَ على الجبل لكنه لم يتصدّع لأنَّه لا يعي وهو عكس ما ذكره القرآن .
لقد أدّى هذا القول بالمجاز إلى تحريفٍ في آي القرآن - شاء القائل أم أبى وقصد أم لم يقصد - لأنَّ النتيجة الأخيرة هي : الله تعالى يقول ( لو أنزلنا ) والمفسّر يقول ( لو كان يعي ) !
لقد لاحظ المنهج أن الأخذ بهذه الآراء سيؤدّي إلى ضلالٍ محتومٍ ، وذلك من خلال استقراء المفردة التي قيل أنها استُعمِلَت ( مجازاً ) ، لأنَّه إذا نقل نفس الفكرة إلى جميع الآيات التي ذُكِرَ فيها لفظ ( الجبل والجبال ) واستمرّ المرء في الاعتقاد بوجود المجاز في كلّ تركيبٍ يراد منه بيان فاعليةٍ واعيةٍ للجبل وهي حقيقة في كلّ مورد ورد فيه هذا اللفظ - فإنَّهُ سيقوده بالنتيجة إلى تكذيب القرآن لا محالة ، ويحوّل العقيدة الدينية والأسرار الكونية والكلمات القرآنية إلى مجرّد أوهامٍ صيغت بِصيغٍ أدبيةٍ وأساليب لغويةٍ رفيعةٍ لكنها فارغةٌ من أي معنىً حقيقيٍّ .
انظر إلى هذه الآيات مركِّزاً على لفظ الجبال :
1 . * ( إنَّا سَخَّرنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِ وَالإشرَاق ) * ( ص 18 ) 2 . * ( ولقد آتينا دَاوُدَ مِنّا فَضلاً يَا جِبَالُ أُوبِي مَعَه والطَيرَ وِألَنا له الحَدِيد ) * ( سبأ 10 ) 3 . * ( إنَّا عَرَضنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّموَاتِ والأرضِ وَالجِبَالِ فأبَينَ أن يَحْمِلنَهَا وَأشفَقنَ مِنهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومَاً جَهُولا ) * ( الأحزاب 72 ) 4 . * ( وَسَخَّرنَا مَعَ داوُدَ الجِبَالَ يُسبِّحنَ وَالطَّيرَ ) * ( الأنبياء 79 ) 5 . * ( أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَسجِدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَمَنْ فِي الأرضِ وَالشَمسُ وَالقَمَرُ
