فإذا قالوا : القصر المشيد معطوف على عروشها ، وقالوا : معناه ( متساقطة سقوفها على الأسس ) ، عاندهم ( القصر المشيد ) لأنَّه من بقاياها وهي ( خاويةٌ على عروشها ) ! وكذلك البئر الملآنة ماءً ولكنها ( مُعطّلة ) .
وإذا قالوا : معطوف على ( القرية ) فهو أشدّ عناداً لأنَّه باقٍ بعد الهلاك والخواء على عروشها . فحاولوا إضاعة الحقيقة بالأساليب الأدبية كما في هذا النصّ :
( فلفتَ أنظارهم إلى آثار تلك البيوت الخاوية المتساقطة على عروشها قد وقعت السقوف على الأسس . والآبار أبيد أهلها وغار معينها والقصر المزجج والمزين بالجص خلا من السكن وتداعى بالخراب . . ) ( التبيان / الحج / 45 ) .
في حين أن النصّ القرآني يحكي عكس ذلك تماماً . فالقصر مشيدُ ، وهذا يعني أنَّهُ في حالٍ يُثير الانتباه لمتانته وارتفاعه وطريقة تشييده ولا يُفهم منه أنَّهُ قد تداعى للخراب . والبئر المعطلة لا يُفهم منها إلاَّ عكس ما قاله النصّ الوعظي . فلو كانت تالفة لكانت ( عاطلة ) لا ( معطّلة ) ، ولو كانت ( عاطلة ) وغائرة الماء كما ادّعى المفسّرُ لما احتاج النصُّ المقدّسُ إلى ذكرها أصلاً كجزءٍ من المنشآت المتساقطة على زعمهم . فشروحهم تلك لا تناقض حقيقةً واحدةً فحسب ، بل وتتناقض فيما بينها عدّة مرّاتٍ قبل أن تُناقض حقائق الآيات كلها في جميع الموارد .
3 . الآية الثالثة :
* ( لَو أنزَلنَا هذا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأيتَهُ خَاشِعَاً مُتَصَدِّعَاً مِن خَشيَة الله ) * ( الحشر 21 ) لو تدبّرت هذه الآية وتركيبها لوجدت فيها فرضاً مفاده أن النبي ( ص ) أو المُخاطب كان سيرى الجبل خاشعاً متصدعاً لو كان الجبل هو المتلقي للقرآن . ولكن المفسِّرين حوَّلوه من كونه فرضاً ( حقيقياً ) إلى مجرّد مجازٍ ، لأنَّ الجبل ( لا يسمع ولا يعي ) حسب تعبيرهم .
قال الشريف الرضي : ( وهذا القول على سبيل المجاز والمعنى أن الجبل لو كان ممَّا يعي القرآن ويعرف البيان لخشع في سماعه ولتصدّع من عظم شأنه . . الخ ) ( تلخيص البيان / 33 ) .
لاحظ أن القول بالمجاز قد حوّل الفرض كلّه إلى غايةٍ أخرى ووجّهه وجهةً
