القرآني / 159 ) انتهى .
لقد أخطأ هنا عدّة أخطاء :
الأول : قوله : ( لا يثبت لها هذا الفعل وهو صادر عن غيرها وهو الله تعالى ) هو قياسٌ خاطئٌ ، فثبات الفعل لا علاقة له بالمنشأ ومصدر الأفعال الأول . والإنسان نفسه يمكنه إثبات فعل أشياء كثيرة يشحنها بقوّة الفاعلية فتفعل بمشيئته ويثبت لها الفعل حقيقةً لا مجازاً .
ولو أخذنا بآرائهم فلا يوجد كلام حقيقي ، ويكون الكلام كله مجازاً . فالذي يقول : ( وقع السقف ) و ( غرق الزورق ) و ( أمطرت السماء ) و ( حملت النخلة ) . . إلى آلافٍ من العبارات ، فإن أقواله هذه ستكون كلها مجازية على هذا الرأي .
الثاني : خالف المنطق العلمي الذي يدركه الأقدمون أيضاً في كون الشجرة ( كائن حي ) فقال : ( وإسناد الفاعلية إلى الجماد ممَّا يحقّق الاستعمال المجازي ) ، والشجرة ليست من الجماد ، بل هي كائنٌ حيٌّ . فماذا يقول فيما هو جمادٍ فعلاً على المعنى الاصطلاحي ؟
الثالث : الشرح الذي وافانا به عن مصدر الفاعلية زائدٌ عن الحاجة لأنَّ التركيب ذكر ذلك بقوله تعالى ( بإذن ربّها ) ، وفيه دلالة أكيدةٌ على فاعلية الشجرة وأنّها تؤتي أكلها والإيتاء من فعلها ولكنّه بإذن ربّها ، ولا يأتي لفظ ( الإذن ) إلاَّ مع ما هو فاعلٌ بذاته . ولو كانت مجرّد واسطة لنقل الإيتاء لقال ( بإرادة ربّها ) ، لكنّنا لا نحسبه يفرّق كثيراً بين ( الأذن ) و ( المشيئة ) و ( الإرادة ) و ( الأمر ) و ( القضاء ) و ( السنّة الإلهية ) جموداً على ما تراكم من خلطٍ بين هذه الألفاظ .
2 . الآية الثانية :
* ( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَريَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدَاً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ) * ( النحل 112 ) المجاز هنا فيما زعموه من وصفٍ للقرية أنّها كانت آمنةً مطمئنّةً - ويريد أهلها - فأطلق الحال مجازاً على اسم المحل بدلاً من إطلاقه على أهلها ، وسيأتي بيان التفصيل في موضوع الفرق بين القرية وأهلها .
فالقرآن استعمل ( أهل القرية ) واستعمل كذلك ( القرية ) مجرّدةً عن لفظ ( أهل ) .
