الأول : إنَّ هذا القول منهما على سبيل المجاز أو التجوّز أي أنّهما أطاعتا الأمر الإلهي فسمّى الطاعة قولاً ، لأنَّ الذي يأتيك طائعاً كمن يقول أتيتكَ طائعاً .
الثاني : إنَّ الله تعالى خلق فيهما الكلام فقالتا ما أراد أن تقولاه وأجابتاه بما أراد منهما أن تجيباه ، ومعنى ذلك أنهما لم تتكلّما وإنّما خلق فيهما الكلام - انتهى باختصار .
إنّ المنهج اللفظي سيكشف عن مساوئ هذا التفسير ، وما هو أعظم .
فأولاً : إذا كان هذا القول منهما على سبيل المجاز فهذا يعني أن الخبر القرآني لم يكن حقيقياً ولا واقعياً ، فلم يحصل منهما قولٌ ولا إجابةٌ حقيقية . وإنّما أطاعتاه ونفّذتا أمره كما أراد . وعندئذٍ ستظهر الأسئلة التالية :
لماذا يخبرنا القرآن بهذه القصّة وهي على رأيهم لم تحدِثْ قط . . فلا سؤالَ منه ولا إجابةً منهما ، في حين أنَّهُ أخبرنا أن كلامه تعالى هو حقٌّ وحقُّ اليقين وعين اليقين وأنَّ كلامه خير الكلام وأحسنه تفسيراً وأصدقه ؟
ما هي الفائدة من إعطائهما الحرية في الاختيار حينما قال ( ائتيا طوعاً أو كرهاً ) إذا كان مصمماً على إجبارهما على الطاعة ؟ هل معنى ذلك أنهم يريدون منّا أن نفهم أن الله تعالى يقول ما لا يفعل أو يعطي الاختيار من حيث هو مسلوبٌ أصلاً ؟ أم يريدون أن ننسب إليه الظلم حاشاه ؟
كيف يكون معنى الطائع هو نفس معنى القائل بالطاعة ؟
ثانياً : إذا كان الله تعالى قد خلق فيهما الكلام وأجابتاه من غير وعيٍ ولا شعورٍ ، فما الذي يجعله يقصّ علينا تلك القصّة التي حدثت قسراً بإرادته ؟
أرَأيتَ لو أن مهندساً وضع في ذاكرة آلة الروبوت إجابةً جاهزةً لسؤالِ ( أيها الروبوت هل تحبّني أم تكرهني ؟ ) هي قوله ( أحبّك سيدي ) - وزعمَ لنا بعد ذلك مفتخراً أن المعادن تحبّه وتفهم الحبّ ، لأنَّ هذه الآلة المعدنية قد أحبّته . . أرَأيتَ لو فعلَ ذلك . . نصدِّق قصّته أم نكذّبها ؟ .
ويعود السؤال نفسه إذا كان قد خلق فيهما الكلام . فلماذا قال بالتخيير لهما بين الإتيان طوعاً أو الإتيان كرهاً ؟ ولماذا قال أنهما ( قالتا أتينا طائعين ) إذا كانتا لا تفرّقان بين الإكراه والطواعية ، بل بين الصمت والكلام ؟
