قوله تعالى ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم إلى قوله ذلك الفضل من الله ) قال محمود ( والمعنى : أن ما أعطى المطيعون من الاجر الخ ) قال أحمد : عقيدة أهل السنة أن المطيع لا يستحق على الله بطاعته شيئا ، وأنه مهما أثيب به من دخول الجنة والنجاة من النار فذاك فضل من الله لا عن استحقاق ثابت فهم يقرءون هذه الآية في رجائها .
وأما القدرية فيزعمون أن المطيع يستوجب على الله ثواب الطاعة ، وأن المقابل لطاعته من الثواب أجر مستحق كالأجرة على العمل في الشاهد ليس بفضل ، وإنما الفضل ما يزاده العبد على حقه من أنواع الثواب وصنوف الكرامة ، فلما وردت هذه الآية ناطقة بأن جملة ما يناله عباد الله فضل من الله اضطر الزمخشري إلى ردها إلى معتقده ، فجعل الفضل المشار إليه هو الزيادة التابعة للثواب : يعني المستحق ، ثم اتسع في التأويل فذكر وجها آخر وهو أن يكون المشار إليه مزايا هؤلاء المطيعين في طاعتهم وتميزهم بأعمالهم ، وجعل معنى كونها فضلا من الله أنه وفقهم لاكتسابها ومكنهم من ذلك لا غير : يعني وأما إحداثها فبقدرهم ، وهذا من الطراز الأول . والحق أن الكل أيضا فضل من الله بكل اعتبار ، لان معتقدنا معاشر أهل السنة أن الطاعات والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص خلق الله تعالى وفعله ، وأن قدرهم لا تأثير لها في أعمالهم ، بل الله عز وجل يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم عليها ، فالطاعة إذا من فضله وثوابها من فضله ، فله الفضل على كل حال والمنة في الفاتحة والمآل ، وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة فقد قال عليه الصلاة والسلام ( لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله ، ولكن بفضل الله ورحمته ، قيل ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة ) - قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحو - اللهم اختم لنا باقتفاء السنة وأدخلنا بفضلك المحض الجنة .
