تقولون ما لا تفعلون ) * . ومنها : أن وظيفة الرسل ، وسنتهم ، وملتهم ، إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان بتحصيل المصالح وتكميلها ، أو بتحصيل ما يقدر عليه منها ، وبدفع المفاسد وتقليلها ، ويراعون المصالح الخاصة . وحقيقة المصلحة ، هي التي تصلح بها أحوال العباد ، وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية . ومنها : أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح ، لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ، ما لا يقدر عليه ، فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه ، وفي غيره ، ما يقدر عليه . ومنها : أن العبد ، ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين ، بل لا يزال مستعينا بربه ، متوكلا عليه ، سائلا له التوفيق ، وإذا حصل له شيء من التوفيق ، فلينسبه لموليه ومسديه ، ولا يعجب بنفسه لقوله : * ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) * . ومنها : الترهيب بأخذات الأمم ، وما جرى عليهم ، وأنه ينبغي أن تذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر . كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى . ومنها : أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه ، ويعفى عنه ، فإن الله تعالى يحبه ويوده . ولا عبرة بقول من يقول : ( إن التائب إذا تاب ، فحسبه أن يغفر له ، ويعود عليه بالعفو ، وأما عود الود والحب فإنه لا يعود ) . فإن الله قال : * ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ) * . ومنها : أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة ، قد يعلمون بعضها ، وقد لا يعلمون شيئا منها . وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم ، وأهل وطنهم الكفار ، كما دفع الله عن شعيب ، رجم قومه ، بسبب رهطه . وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين ، لا بأس بالسعي فيها ، بل ربما تعين ذلك ، لأن الإصلاح مطلوب ، على حسب القدرة والإمكان . فعلى هذا ، لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار ، وعملوا على جعل الولاية جمهورية ، يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية ، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية ، وتحرص على إبادتها ، وجعلهم عملة وخدما لهم . نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين ، وهم الحكام ، فهو المتعين . ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة ، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا ، مقدمة ، والله أعلم . * ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في ه ذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود * ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد * وما ظلمناهم ول كن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ) * يقول تعالى : * ( ولقد أرسلنا موسى ) * بن عمران * ( بآياتنا ) * الدالة على صدق ما جاء به ، كالعصا ، واليد ونحوهما من الآيات التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام . * ( وسلطان مبين ) * أي : حجة ظاهرة بينة ، ظهرت ظهور الشمس ، * ( إلى فرعون وملإه ) * أي : أشراف قومه لأنهم المتبوعون وغيرهم تبع لهم ، فلم ينقادوا لما مع موسى من الآيات التي أراهم إياها كما تقدم بسطها في سورة الأعراف . * ( فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد ) * بل هو ضال غاو ، لا يأمر إلا بما هو ضرر محض . لا جرم لما اتبعه قومه أرداهم وأهلكهم . * ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه ) * أي : في الدنيا * ( لعنة ويوم القيامة ) * أي : يلعنهم الله وملائكته ، والناس أجمعون في الدنيا والآخرة . * ( بئس الرفد المرفود ) * أي : بئس ما اجتمع لهم ، وترادف عليهم من عذاب الله ، ولعنة الدنيا والآخرة . ولما ذكر قصص هؤلاء الأمم مع رسلهم ، قال الله تعالى لرسوله : * ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك ) * لتنذر به ، ويكون آية على رسالتك ، وموعظة وذكرى للمؤمنين . * ( منها قائم ) * لم يتلف ، بل بقي آثار ديارهم ، ما يدل عليهم ، * ( و ) * ( منها ) * ( حصيد ) * قد تهدمت مساكنهم ، واضمحلت منازلهم ، فلم يبق لها أثر ، * ( وما ظلمناهم ) * بأخذهم بأنواع العقوبات * ( ولكن ظلموا أنفسهم ) * بالشرك والكفر ، والعناد . * ( فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك ) * وهكذا كل من التجأ إلى غير الله ، لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد . * ( وما زادوهم غير تتبيب ) * أي : خسار ودمار ، بالضد مما خطر ببالهم . * ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) * أي : يقصمهم بالعذاب ويبيدهم ، ولا ينفعهم ما كانوا يدعون من دون الله من شيء . * ( إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود * وما نؤخره إلا لأجل معدود * يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ) * * ( إن في ذلك ) * المذكور من أخذه
