كان يحيى يقول : دخلنا في الدنيا دخولا أخرجنا منها . وقرأت في كتاب للهند : « إنما مثل السلطان في قلة وفائه للأصحاب وسخاء نفسه عمن فقد منهم مثل البغيّ والمكتّب [1] ، كلما ذهب واحد جاء آخر » . والعرب تقول : « السلطان ذو عدوان [2] وذو بدوان وذو تُدْرَإِ » يريدون أنه سريع الانصراف كثير البدوات هجوم على الأمور . قال معاذ بن مسلم : رأيت أبا جعفر وأبا مسلم دخلا الكعبة فنزع أبو جعفر نعله فلما أراد الخروج قال : يا عبد الرحمن ، هات نعلي . فجاء بها ، فقال : يا معاذ ضعها في رجلي . فألبسته إياها فحقد ذلك أبو مسلم ، ووجّه أبو جعفر يقطين [3] بن موسى إلى أبي مسلم لإحصاء الأموال فقال أبو مسلم : أفعلها ابن سلامة الفاعلة ؟ لا يكنّي . فقال يقطين . عجّلت أيها الأمير ، قال : وكيف ؟ قال : أمرني أن أحصي الأموال ثم أسلَّمها إليك لتعمل فيها برأيك . ثم قدم يقطين على المنصور فأخبره . فلما قدم أبو مسلم المدائن في اليوم الذي قتل فيه جعل يضرب بالسّوط معرفة برذونه [4] ويقول بالفارسية كلاما معناه : ما تغني المعرفة إذا لم يقدر على دفع المحتوم . ثم قال : جارّة ذيلها ، تدعو يا ويلها ، بدجلة أو حولها ، كأنا بعد ساعة ، قد صرنا في دجلة .
[1] المكتب : معلم الكتابة . والبغيّ هو الأمة أو الحرّة الفاجرة . [2] ذو عدوان : سريع الانصراف والملال ، يقال : ما عداك أي ما صرفك ، والرجل العدوان : الشديد العدو . وذو بدوان : كثير البدوات لا يزال يبدو له رأي جديد ، والبدوات ج بدأة ، وهي ما بدا من الرأي ؛ ورجل ذو بدوات : ذو آراء مختلفة . وذو تُدْرَإ : ذو عزة ومنعة وقوة . [3] هو داعية عباسي وعارف بالحروب والوقائع ، ولَّاه المهدي سنة 167 ه بناء الزيادة الكبرى في المسجد الحرام . توفي سنة 186 ه . الأعلام ج 8 ص 207 . [4] البرذون : الفرس غير الأصيل . والمعرفة : موضع العرف من الفرس ، والجمع معارف ، والعرف شعر عنق الفرس .