هذه العلة ؟ فقال منكة : داؤك كبير ودواؤه يسير وأيسر منه الشكر ، وكان متفننا ، فقال له يحيى : ربما ثقل على السمع خطرة الحقّ به ، فإذا كان ذلك كانت الهجرة له ألزم من المفاوضة فيه . قال منكة : صدقت ، ولكني أرى في الطوالع أثرا والأمد فيه قريب وأنت قسيم في المعرفة وقد نبّهت ، وربما كانت صورة الحركة للكوكب عقيمة ليست بذات نتاج ولكنّ الأخذ بالحزم أوفر حظ الطالبين . قال يحيى : للأمور منصرف إلى العواقب وما حتم لا بدّ من أن يقع ، والمنعة بمسالمة الأيام نهزة فاقصد لما دعوتك له من هذا الأثر الموجود بالمزاج . قال منكة : هي الصفراء مازجتها مائية من البلغم فحدث لها بذلك ما يحدث للَّهب عند مماسّته رطوبة المادة من الإشتعال فخذ ماء رمّانتين فدقّهما بإهليلجة [1] سوداء تنهضك مجلسا أو مجلسين وتسكَّن ذلك التوقّد الذي تجد [2] إن شاء اللَّه . فلما كان من حديثهم الذي كان ، تلَّطف منكة حتى دخل على يحيى في الحبس فوجده جالسا على لبد [3] ووجد الفضل بين يديه يمهن أي يخدم فاستعبر منكة وقال : قد كنت ناديت لو أعرت الإجابة . قال له يحيى : أتراك علمت من ذلك شيئا جهلته ؟ كلا ولكنه كان الرجاء للسلامة بالبراءة من الذنب أغلب من الشّفق وكان مزايلة القدر الخطير عبئا قلَّما تنهض به الهمة . وبعد فقد كانت نعم أرجو أن يكون أوّلها شكرا وآخرها أجرا . فما تقول في هذا الداء ؟ قال له منكة : ما أرى له دواء أنجع من الصبر ، ولو كان يفدى بمال أو مفارقة عضو كان ذلك مما يجب لك . قال يحيى : قد شكرت لك ما ذكرت فإن أمكنك تعهّدنا فافعل . قال منكة : لو أمكنني تخليف الروح عندك ما بخلت بذلك ، فإنما كانت الأيام تحسن لي بسلامتك . قال الفضل :
[1] الإهليجة والإهليج : عقير من الأدوية معروف ، وهو معرّب . [2] الذي تجد : الذي تكره . يقال : أوجده اللَّه على الأمر : أكرهه عليه . [3] اللبد : كل شعر أو صوف متلبّد سمّي به للصوق بعضه ببعض ، والجمع ألباد ولبود .