رجل للشّرط [1] فقيل : أيّ الرجال تريد ؟ فقال : « أريده دائم العبوس طويل الجلوس سمين الأمانة أعجف الخيانة لا يحنق في الحق على جرّة [2] يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة » فقيل له : عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي . فأرسل إليه يستعمله ، فقال له : لست أقبلها إلا أن تكفيني عيالك ، وولدك وحاشيتك . قال : يا غلام ، ناد في الناس : من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمّة . قال الشعبي : فواللَّه ما رأيت صاحب شرطة قطَّ مثله ، كان لا يحبس إلا في دين ، وكان إذا أتي برجل قد نقب على قوم وضع منقبته [3] في بطنه حتى تخرج من ظهره ، وإذا أتي بنبّاش حفر له قبرا فدفنه فيه ، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده ، وإذا أتي برجل قد أحرق على قوم منزلهم أحرقه ، وإذا أتي برجل يشكّ فيه وقد قيل إنه لص ولم يكن منه شيء ضربه ثلاثمائة سوط . قال : فكان ربما أقام أربعين ليلة لا يؤتى بأحد فضم إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة . وقرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه : « إنتخب لخراجك أحد ثلاثة : إما رجلا يظهر زهدا في المال ويدّعي ورعا في الدين فإنّ من كان كذلك عدل على الضعيف وأنصف من الشريف ووفّر الخراج واجتهد في العمارة ، فإن هو لم يرع ولم يعفّ إبقاء على دينه ونظرا لأمانته كان حريّا أن يخون قليلا ويوفّر كثيرا استسرارا بالرياء واكتتاماً بالخيانة ، فإن ظهرت [4] على ذلك منه عاقبته
[1] الشّرط : ج شرطي بفتح الراء وسكونها . [2] أحنق الرجل يحنق : حقد حقدا لا ينحلّ . والجرّة : الرعيّة ؛ وفي حديث عمر : « لا يصلح هذا الأمر إلَّا لمن لا يحنق على جرّته » أي لا يحقد على رعيّته . لسان العرب ، مادة ( حنق ) . [3] نقب على القوم ينقب : صار نقيبا عليهم . والمنقبة : آلة النّقب . [4] ظهرت على ذلك : اطَّلعت عليه .