وقال الوليد لعبد الملك : يا أبت ، ما السياسة ؟ قال : « هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها واحتمال هفوات الصنّائع » . وفي كتب العجم : « قلوب الرعيّة خزائن ملوكها فما أودعتها من شيء فلتعلم أنه فيها » . ووصف بعض الملوك سياسته فقال : « لم أهزل في وعد ولا وعيد ولا أمر ولا نهي ولا عاقبت للغضب واستكفيت على الجزاء وأثبتّ على العناء لا للهوى ، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت وودّا لم تشبه جرأة وعمّمت بالقوت ومنعت الفضول » . وقرأت في كتاب التاج : « قال أبرويز [1] لابنه شيرويه وهو في حبسه : « لا توسعنّ على جندك فيستغنوا عنك ولا تضيقنّ عليهم فيضجّوا منك ، أعطهم عطاء قصدا وامنعهم منعا جميلا ووسّع عليهم في الرجاء ولا توسّع عليهم في العطاء » . ونحوه قول المنصور في مجلسه لقوّاده : صدق الأعرابي حيث يقول : أجع كلبك يتبعك . فقام أبو العباس الطَّوسي فقال : يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك . وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري : « أما بعد ، فإن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ باللَّه أن تدركني وإياك عمياء [2] مجهولة وضغائن محمولة ، أقم الحدود ولو ساعة من نهار ، وإذا عرض لك أمران : أحدهما للَّه ، والآخر للدنيا فآثر نصيبك من اللَّه فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى ، وأخيفوا الفسّاق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا ، وعد [3] مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وانتح لهم
[1] هو أبرويز بن هرمز بن كسرى ، أحد ملوك الفرس ، وهو من بني ساسان بن بهمن . جمهرة أنساب العرب ص 511 . [2] العمياء : الغواية واللجاجة في الباطل أو الضلالة والجهالة . [3] عد المرضى : زرهم ، من فعل عاد المريض يعوده عودا .