المسجد في الصفة التي تلي دار مروان فقال له : خل ابني عبد مناف وهذا الأمر ؟ قال : نصيبي لعلي . وقال لسعد : أنا وأنت كلالة فاجعل نصيبك لي فأختار ؟ قال إن اخترت نفسك فنعم ، وإن اخترت عثمان فعليٌّ أحب إليَّ ، أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا ، وارفع روؤسنا . قال : يا أبا إسحاق إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار ، ولو لم أفعل وجعل الخيار إلي لم أردها ، إني أريت كروضة خضراء كثيرة العشب فدخل فحل لم أر فحلا قط أكرم منه ، فمر كأنه سهم لا يلتفت إلى شيء مما في الروضة حتى قطعها لم يعرج ، ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج من الروضة ، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه يلتفت يمينا وشمالاً ، ويمضي قصد الأولين حتى خرج ، ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة ولا والله لا أكون الرابع ، ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضي الناس عنه . قال سعد : فإني أخاف أن يكون الضعف قد أدركك فامض لرأيك ، فقد عرفت عهد عمر . وانصرف الزبير وسعد وأرسل المسور بن مخرمة إلى علي ، فناجاه طويلا ، وهو لا يشك أنه صاحب الأمر ، ثم نهض وأرسل المسور إلى عثمان فكان في نجيهما حتى فرق بينهما أذان الصبح . فقال عمرو ابن ميمون ، قال لي عبد الله بن عمر : يا عمرو ، من أخبرك أنه يعلم ما كلم به عبد الرحمن بن عوف عليا وعثمان فقد قال بغير علم فوقع قضاء ربك على عثمان . فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السنة والفضل من الأنصار ، وإلى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله ، فقال : أيها الناس ، إن الناس قد أحبوا أن يلحق أهل الأمصار بأمصارهم ، وقد علموا من أميرهم . فقال سعيد بن زيد : إنا نراك لها أهلا . فقال : أشيروا علي بغير هذا فقال عمار : إن أردت أن لايختلف المسلمون فبايع علياً . فقال المقداد بن الأسود : صدق عمار ، إن بايعت عليا قلنا سمعنا وأطعنا . قال ابن أبي سرح : إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان فقال عبد الله بن أبي ربيعة : صدق ، إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا . فشتم عمار ابن أبي سرح وقال متى كنت تنصح المسلمين ؟ فتكلم بنو هاشم وبنو أمية . فقال عمار : أيها الناس إن الله عز وجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه ، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ؟ ! فقال رجل من بني مخزوم : لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها ؟ فقال سعد بن أبي وقاص : يا عبد الرحمن ، افرغ قبل أن يفتتن الناس . فقال عبد الرحمن : إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا ودعا علياً فقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده . قال : أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي . ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي . قال : نعم . فبايعه فقال علي : حبوته حبو دهر ، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل