( فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة التي لا وجود لها إلا عند الموت ) أي ، فالحق يشتاق في صور مظاهره لحصول هذه الصفة ، وهي الرؤية التي لا تحصل إلا عند الموت بارتفاع الحجاب وشهود الحق في تجلياته . وذلك الذي لا يحصل إلا بالموت . ( فيبل [12] بها ) أي ، بتلك الصفة . ( شوقهم إليه . ) أي ، يسكن بماء الوصال وارتفاع الحجب نار شوقهم إليه [13] ( كما قال تعالى في حديث ( التردد ) وهو
[12] - الإبلال ، تازه كردن . [13] - قول الشيخ الماتن : ( ثم ، وصف الحق نفسه بشدة الشوق . . . ) أقول : لما ذكر الشيخ المحبة وكان الشوق من أنواعها أو أصنافها ، استشعر بأنه تعالى وصف نفسه به ، أراد أن يبين أنه تعالى كيف يشتاق مع أن الشوق مستلزم لفقدان المشتاق إليه ، وهو ، عز وجل ، لكونه كل الأشياء في القدس والنزاهة ، لا يعزب عن علمه الذي هو نفس ذاته مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ، كيف يشتاق إلى غيره ، والعالي لا يلتفت إلى السافل ؟ فقوله : ( إلى لقائه ) تعريض للجواب من الثاني بأنه مشتاق إلى نفسه ، والشوق إلى المشتاقين إليه يتبع ذلك الشوق ، فالشوق إليهم ثانيا وبالعرض . قوله : ( فقال ) إلى قوله : ( وهو لقاء خاص ) بيان توصيف نفسه بشدة الشوق . قوله : ( وهو لقاء خاص ) . رفع إيراد يتوهم في قوله : ( إلى لقائه ) بأن يقال : لقائه تعالى حاصل له بظهور نفسه لنفسه في مقام قدس ذاته . ودفع ذلك بأن اللقاء لقاء خاص لا يكون حاصلا في قدس ذاته . قوله : ( إنه قال في حديث الدجال ) إلى قوله : ( فلا بد ) تعليل لقوله : ( لقاء خاص ) . أي ، ذلك اللقاء يترتب على موت المشتاقين إليه من الموحدين ، والزاهدين والعابدين : للموحدين بالموت الإرادي ، والزاهدين والعابدين بالموت الطبيعي ، لقول النبي ذلك . قوله : ( لا بد من الشوق لمن هذه صفته ) تفريع لخصوصية اللقاء . أي ، إذا كان اللقاء لقاءا خاصا مترتبا على الموت ، غير حاصل له تعالى في قدس ذاته ، ولا بد من الشوق إليه للذات الإلهية المشتاق إليه ، لأنه غير مؤثر ، ومن يعرف خير المؤثر ، يشتاق إليه والذات الإلهية يعرفه . ولما كان معرفته أتم من معرفة المشتاقين إليه ، كان شوقه أتم وأشد من شوقهم إليه . وفي هذا التفريع جواب عن الإشكال الأول بأن شوقه تعالى من صفاته الكونية : ( فأشبه قوله ( حتى نعلم ) مع كونه عالما ) . وبذلك الجواب يندفع إشكال آخر . وهو أن اللقاء المترتب على الموت لقاء المشتاقين إليه ، والكلام في لقائه لنفسه . وذلك لأن الشوق المذكور يدور مع شوق المشتاقين إليه ، فيتوقف على موتهم ، وليس عين شوقهم ، لأن الأشد ليس عين الأشد منه . تحقيقه : إن المطلق وإن كان في مرتبة المقيد عين المقيد إلا أن اعتبار الإطلاق غير اعتبار التقييد ووصف المطلق باعتبار التقييد غير وصف المقيد ، وليس اتصافه تعالى بصفات الكون عين اتصاف الكائنات بصفاتها . وبذلك يظهر سر إسناد فعل الكمل إليه تعالى دون فعل غيرهم . وفي حرب الجمل إذ انهزمت أتباع عائشة وشيعة عثمان ، أخذت عائشة كفا من حصى فحصبت به أصحاب على ، عليه السلام ، وصاحت بأعلى صوتها : ( شاهت الوجوه ) . فقال قائل لها : ( وما رميت إذ رميت ، ولكن الشيطان رمى ) قد لأن الكمل فنوا في الحق وغلب عليهم أحكام الوجوب واستترت الجهة الخلقية في الأوصاف الإلهية واضمحلت قواهم في إطلاقه تعالى ، وصار الحق سمعهم وبصرهم في التجليات الأسمائية ، وفناء صفاتهم في صفاته في مقام قرب النوافل . وبعد اضمحلال ذواتهم في ذاته تعالى وفناء إنيتهم في حقيقته وتبدل وجودهم بالوجود الحقاني الإطلاقي ، يستند فعلهم إلى الله وفعل الله إليهم . ولسان هذا المقام قوله ، صلى الله عليه وعلى من يؤول أموره إليهم من عترته : ( على عين الله ويد الله وأذن الله الواعية ) . وقولهم عليهم السلام : ( رضانا أهل البيت رضى الله ) . أو ( رضى الله رضانا أهل البيت ) . ولما كان النبي ، عليه السلام ، صاحب مقام ( أو أدنى ) ، قال الله تعالى : ( ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) . أي أسند إلى نفسه ما أسند إلى عبده ، ويظهر سر ما قيل : ( العبودية جوهرة كنهها الربوبية ، وما فقده في العبودية ، يجده في الربوبية ) . والبالغ إلى هذا المقام يكون خاتما للنبوة المطلقة والولاية المطلقة . وهو ، صلى الله عليه وآله ، صاحب هذا المقام بالأصالة ، والكمل من العترة بالوراثة . ثم ، إنه في قدس ذاته واجد للمشتاقين إليه ، كما مر بتعينهم واجد لهم أيضا ، وليس يفقدهم ، فكيف يشتاق إليهم ؟ أشار إلى دفع ذلك واعترض قوله : وشوق الحق لهؤلاء المقربين مع كونه يراهم ، فيجب أن يروه ويأبى المقام الدنيوي ذلك ) . أي ، شوقه إليهم شوقه أن يروه ، لا الشوق إلى التعينات ، تعيناتهم الحاصلة له تعالى . فكأنه فسر شوقه إليهم بشوقه أن يروه ، فيستقيم الكلام . ولما استدرك الشوق و فسره بما ذكر ، عقبها بقوله : ( فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة التي لا وجود لها إلا عند الموت ، فيبهل بها ) . ف ( الفاء ) في ( فهو ) للتعقيب ، و ( اللام ) في ( لهذه ) بمعنى ( إلى ) . أي ، فهو يشتاق إلى هذه الصفة . وهو الرؤية التي لا تحصل إلا عند الموت وارتفاع الحجاب وشهود الحق في تجلياته الذي لا يحصل إلا بالموت . ويتشفى ويسكن بها . أي ، بتلك الصفة شوقهم إليه . أي ، بماء الوصال وارتفاع الحجب يسكن نار شوقهم إليه . و من الخبايا في الزوايا في هذا المقام أن المطلق إذا صار مقيدا واتصف بصفة المقيد ، كيف يتصف بصفة الإطلاق ويكون أتم معرفة من المقيد حتى يكون أشد شوقا منه . فاعلم ، أن اتصاف المطلق بوصف المقيد لا يخرجه عن الاتصاف بوصف الإطلاق ، لأن وصف المقيد عرضي ووصف الإطلاق ذاتي ، والعرضي لا يزيل الذاتي . مثلا : الماهية الموجودة تتصف بوصف الوجوب ، لا يخرجها هذا الاتصاف عن الاتصاف بوصف الإمكان ، فإن الضرورة بشرط المحمول لا ينافي الإمكان بحسب الذات . واتصاف النفس بالأوصاف الجسمانية ، كالقيام والقعود ، لا يخرجها عن الاتصاف بالأوصاف الروحانية ) . ( للأستاذ العارف بالله ، أفضل عصره وفريد دهره ، ميرزا محمد رضا قمشهاى ، مد ظله وأدام الله بركاته ) . أقول : كالتجرد العقلاني والتجرد البرزخي وخلاقيته للصور العقلية بعد بلوع أشدها العقلي والاتحاد مع العقول الفعالة . والنفس لمكان مظهريته للأسماء التنزيهية والتشبيهية يصدق عليها ما هو صفة بارئها ، لأنها ، أي النفس ، عال في دنوه ، ودان في علوه . وهو إذا كان في جوهر ذاته وعينه الثابتة استعداد السير إلى الحق بالسفر المعنوي و بلغ إلى مقام الفناء في الله ، ثم رزقه الله الصحو والتمكين بعد التلوين ، يشرع في سفره الثاني وسيره في الأسماء لقبول التجليات الأسمائية ويدخل في زمرة المحبوبين والمشتاقين . قال خاتم الولاية المطلقة ، أي آدم الأولياء ، على بن أبي طالب : ( إنا لله ) إقرار لنا بالملك ، و ( إنا إليه راجعون ) إقرار لأنفسنا بالفناء ) . إذا نفخ في الصور ، صعق من في السماوات ومن في الأرض . صدق ولى الله في العالمين . ( ج )