أمّا بعد : فإنّ أجلّ ما تنعطف إليه أعنّة [1] البصائر النقّادة ، وأحقّ ما تمدّ نحوه أعناق الخواطر الوقّادة ، هو الحكمة الحقّة التي لا يخالط خلَّص عيون يقينها آنك الشكوك ولا شبه الشبه [2] ، ولا يشوب صفاء مناهل حقائقها قذر النقوض ولا قتر الردود [3] ممّا يورث السفه والعمة ، لا سيّما في زماننا هذا إذ سطع تباشير صبح ظهور الحقّ عن أفق إخفائه ، وتبلَّج أنوار أسرار الحقيقة في غياهب دياجير [4] ظلمائه ، ولأمر ما ترى كواكب انتظام ظواهر العلوم وشواكل الرسوم قد انتثرت عن سمائها ، وانحطَّ مراتب أقدارها عن معارج علوّها وسنائها ، بما طلعت شمس إظهار المراد عن مغرب الغيابة [5] والأفول ، وظهرت أسرارها عن مكامن الإنزال والنزول . < شعر > بدى لك سرّ طال عنك اكتتامه [6] ولاح صباح كنت أنت ظلامه وجاء حديث لا يملّ سماعه شهيّ إلينا نثره ونظامه < / شعر > ومن آياته تداول كتاب فصوص الحكم ، المنسوب إلى الإمام الأقدم ، الحبر الأعظم ، والبحر الخضمّ ، محيي الحقيقة والدين : ابن العربي الطائي الأندلسي
[1] الأعنّة جمع العنان ، وهو سير اللجام ، سمي بذلك لأنه يعترض الفم فلا يلجه . [2] آنك : الاسربّ ، وهو الرصاص القلعي . الشبه : النحاس الأصفر . [3] القذر : ضد النظافة . القتر جمع القترة ، وهي الغبار . [4] غياهب - جمع غيهب - ودياجير - جمع ديجور - كلاهما بمعنى الظلمة . [5] د : العناية . [6] د : التثامه .