وأمّا ما يذكره المصنّف في أثناء كلامه للتدليل على بداهة المبدأ التصديقي لموضوع الفلسفة ، فهي ليست أدلّة وبراهين ، لأنّ ذلك غير ممكن ، وإنّما للتنبيه على البداهة فحسب . ثمّ قال صدر المتألّهين بعد ذلك : « وخصوصاً إذا كان ذلك الشئ نفس الثبوت » ، ومراده من هذه العبارة وما بعدها أن يبيّن بأنّ قاعدة « ثبوت الشئ لنفسه ضروريّ ، وسلبه عن نفسه ممتنع » تتأكّد أكثر في محلّ بحثنا ، فإنطباقها على المقام أشدّ وآكد من انطباقها على سائر الأمثلة . توضيحه : إنّك عندما تقول : « زيد هو زيد بالضرورة ، لأنّ ثبوت الشئ لنفسه ضروريّ وسلبه عن نفسه ممتنع » فإنّ الموضوع والمحمول في هذا المثال شئ واحد ، فلا بدّ من التمييز بينهما بنحو من أنحاء الاعتبار والتعمّل الذهني ، ولكن هناك اختلاف بين الموضوع والمحمول من جهة وبين النسبة القائمة بينهما من جهة أخرى ، فالموضوع والمحمول شئ والنسبة القائمة بينهما شئٌ آخر ، لأنّ النسبة القائمة بينهما هي الوجود الرابط وهو يختلف في حقيقته وطبيعته عن زيد الذي هو الموضوع والمحمول في المثال المذكور . ولكن عندما نأتي إلى محلّ الكلام ، ونقول : « إنّ الثبوت ثبوت بالضرورة » ، فبالإضافة إلى الوحدة بين الموضوع والمحمول ، توجد لدينا وحدة أخرى بين الموضوع والمحمول وبين النسبة القائمة بينهما ؛ لأنّ النسبة القائمة بين الموضوع والمحمول هي أيضاً نحو من أنحاء الثبوت والوجود ، ولذا نحتاج إلى نحو آخر من أنحاء الاعتبار والتعمّل الذهني ؛ للتمييز بين الموضوع والمحمول والنسبة القائمة بينهما ، فنحتاج في المقام إلى نحو من أنحاء الاعتبار لتمييز الموضوع عن المحمول ، كما نحتاج أيضاً إلى نحو آخر من أنحاء الاعتبار لتمييز الموضوع والمحمول عن النسبة . وهذا الذي ذكرناه موجود في حاشية على بعض النسخ الخطّية التي