إذا اتّضح ما ذكرناه نأتي إلى الشواهد والأمثلة التي ساقها المصنّف لإثبات بداهة المبدأ التصديقي لموضوع الفلسفة وهو أصل الواقعيّة وعدم إمكان إثباته أو الاستدلال عليه ، فنقول : إنّ قوله « قدس سره » : « لأنّ إثبات الشئ لنفسه غير ممكن لو أُريد به حقيقة الإثبات » يريد أن يبيّن فيه أنّ موضوع الفلسفة هو الثبوت الذي هو الموجودية وأصل الواقعيّة ، وثبوت الشئ لنفسه ضروريّ ، كما أنّ سلب الشئ عن نفسه ممتنع بالضرورة ، إذنْ فموضوع الفلسفة الذي هو الثبوت ثابت بالضرورة ، فلا بدّ أن يكون للثبوت واقعيّة في متن الخارج بالبداهة ، وإذا كان موضوع الفلسفة كذلك فهو لا يحتاج إلى الاستدلال ، بل لا يمكن إقامة البرهان على إثباته أو نفيه [1] .
[1] هذا البيان وأمثاله - الذي يتكرّر في كلمات الأعلام في مواطن مختلفة من الفلسفة وكذا العرفان النظري - غير تامّ ، لأنّ فيه خلطاً بين الحمل الأوّلي والحمل الشائع ، فإنّك تقول وبحسب الحمل الأوّلي : « الإنسان إنسان بالضرورة » ، لأنّ ثبوت الشئ لنفسه ضروريّ ، ولكن هذا لا يعني ثبوت المصداق للإنسان في الخارج وبحسب الحمل الشائع . ولو كان ثبوت الشئ لنفسه بالضرورة بحسب الحمل الأوّلي كافياً لإثبات المصداق في الواقع الخارجي ، لما كنّا بحاجة لإقامة الدليل على إثبات وجود واجب الوجود سبحانه وتعالى ؛ لأنّ واجب الوجود واجب الوجود بالضرورة ، وثبوت الشئ لنفسه ضروريّ وسلبه عن نفسه ممتنع ، مع أنّ الكلّ متّفق على أنّ قولنا : « واجب الوجود واجب الوجود بالضرورة » ، لا يكفي لإثبات مصداق واجب الوجود في الخارج ، وذلك للفرق بين الحمل الأوّلي والحمل الشائع ، وكذا الحال في قولنا : « الوجود وجود بالضرورة » ، فإنّه لا يعني أنّ الوجود موجود في الخارج ، وإلاّ لما احتجنا لإقامة البرهان على إثبات أصالة الوجود ، ولما كان للقول بأصالة الماهية واعتبارية الوجود معنى محصّل . إذن فمسألة « ثبوت الشئ لنفسه ضروريّ وسلب الشئ عن نفسه ممتنع » مرتبطة بعالم المفاهيم بالحمل الأوّلي ولا يمكنها إثبات الواقع الخارجي ، وبحثنا في المقام في إثبات المصداق الخارجي ، ووجود المصداق وعدمه مرتبط بالحمل الشائع ، فما ذكره المصنّف وغيره خلط بين الحمل الأوّلي والحمل الشائع .