النقيضين ؛ قال : « وهذه هي الواقعيّة التي ندفع بها السفسطة ، ونجد كلّ ذي شعور مضطرّاً إلى إثباتها ، وهي لا تقبل البطلان والرفع لذاتها ، حتّى أنّ فرض بطلانها ورفعها مستلزم لثبوتها ووضعها ، فلو فرضنا بطلان كلّ واقعيّة في وقت أو مطلقاً ، كانت حينئذٍ كلّ واقعيّة باطلة واقعاً ( أي الواقعيّة ثابتة ) . وكذا السوفسطي لو رأى الأشياء موهومة أو شكّ في واقعيّتها ، فعنده الأشياء موهومة واقعاً والواقعيّة مشكوكة واقعاً ( أي هي ثابتة من حيث هي مرفوعة ) » [1] . وفي مقام التنبيه على عدم إمكان الشكّ في أصل الواقعيّة قال : « فلا يسعنا أن نرتاب في أنّ هناك وجوداً ، ولا أن ننكر الواقعيّة مطلقاً ، إلاّ أن نكابر الحقّ ، فننكره أو نبدي الشكّ فيه ، وإن يكن شئ من ذلك فإنّما هو في اللفظ فحسب » [2] . وإذا لا يمكن طروّ الشكّ في أصل الواقعيّة ، فكيف يمكن إقامة البرهان على ثبوتها أو نفيها ؟ ! والحاصل : إنّ بداهة أصل الواقعيّة بنحو لا يمكن الاستدلال على إثباتها أو نفيها أو حتّى الشكّ فيها ، فهي من البديهيّات الأوّلية ، وليست من البديهي الذي يمكن إقامة البرهان عليه وإن لم يكن هو محتاجاً لذلك . وما سوف يذكره صدر المتألّهين من شواهد وتنبيهات على تلك الحقيقة ، لا يمكن أن يكون دليلاً على بداهة أصل الواقعيّة ، لأنّه لا يمكن الاستدلال على ذلك كما بيّنا ، وتسميته دليلاً - كما هو الظاهر من إتيان المصنّف بلام التعليل في قوله ( لأنّ الشئ . . . ) - لا يخلو عن تجوّز ومسامحة .
[1] الحكمة المتعالية ، صدر المتألّهين ، مصدر سابق : ج 6 ص 14 - 15 ، الحاشية رقم : ( 3 ) . [2] نهاية الحكمة ، محمد حسين الطباطبائي ، مصدر سابق : ص 4 .