الدليل الثالث : الإباء عن البرهان يريد أن يثبت صدر المتألّهين في هذا الدليل أنّ أصل الواقعيّة التي هي موضوع علم الفلسفة لا يمكن إقامة البرهان على إثباتها ، بل إنّ أصل الواقعيّة يستحيل إقامة البرهان على نفيها ، لأنّ من يريد أن يستدلّ على نفيها لا بدّ أن يُذعن مسبقاً بثبوت واقعيّة لذاته ، ثمّ يُذعن أيضاً بثبوت واقعيّة لاستدلاله والنتيجة الحاصلة منه ، وبعد ذلك يُنكر أصل الواقعيّة تبعاً لما يُقيمه من برهان ، ومعنى ذلك أنّ منكر الواقعيّة قد أثبتها في مرتبة سابقة على إنكاره ، فنفي الواقعيّة مستلزم للإذعان بثبوتها مسبقاً ، وكذلك الحال في إثباتها بالبرهان ، فإنّه مستلزم للإيمان بها قبل ذلك الحال . إذن أصل الواقعيّة لا يمكن إقامة البرهان على ثبوتها ، كما لا يمكن إقامة البرهان على نفيها ، بل الصحيح أيضاً أنّ أصل الواقعيّة لا يمكن التشكيك بثبوتها ، لأنّ التشكيك بأصل الواقعيّة متفرّع على الإيمان بوجود الشاكّ في الواقع الخارجي ، والإيمان بواقعيّة شكّه ، فالشاكّ ما لم يتحقّق من وجود ذاته التي طرأ عليها الشكّ وواقعيّة شكّه لا يمكنه التثبّت من صحّة شكّه في أصل الواقعيّة ، بل يمكن أن يكون شاكّاً وغير شاكّ ، فلا واقعيّة لشكّه - بحسب زعمه - كي يحتجّ به على الآخرين . فأصل الواقعيّة ، من قبيل مسألة امتناع اجتماع النقيضين ، فإنّه لا يمكن البرهنة على ثبوتها وصحّتها ، كما لا يمكن الاستدلال على نفيها أو الشكّ فيها ، لأنّ الشكّ إنّما يصحّ فيما إذا لم يمكن أن يجتمع مع نقيضه ، وإلاّ ( إذا جاز الاجتماع ) أمكن أن يكون الشخص شاكّاً وليس بشاك ، ومعنى ذلك أنّه ليس على يقين من شكّه . بل سيأتي في الأجزاء اللاّحقة من « الأسفار » أنّ العلامة الطباطبائي يُثبت في حاشيته أنّ امتناع اجتماع النقيضين مرجعه إلى الإيمان بأصل الواقعيّة ، فالواقعيّة التي حقيقتها الثبوت والتحقّق ، يتفرّع عنها الإيمان بامتناع اجتماع