إسم الكتاب : هداية الطالب إلى أسرار المكاسب ( عدد الصفحات : 659)
تفسير القاموس فهو وإن كان ظاهرا فيه لو كان عابه في مقام التّفسير بمعنى أورد عيبا عليه أو أراد عيبه أو نقصه وأمّا لو كان بمعنى ذكر عيبه وأظهره بحيث يكون قوله وذكره بما فيه عطف تفسير لما قبله كما لا يبعد ولا يخفى أنّ المراد منه بقرينة تفسيره ثانيا بقوله وذكره بما فيه من السّوء هو هذا المعنى ومن ذلك يظهر أنّه لو اكتفي بالتّفسير الأوّل لما كان له ظهور فيما ذكره بل كان مجملا مردّدا بين المعنيين ثمّ إنّ هذه الأمور الخمسة قد دلَّت الأخبار على اعتبارها أيضا في مفهوم الغيبة أمّا الأوّل فلرواية أبان حيث قيّد الذّكر فيها بكونه من خلفه وهو عبارة أخرى عن عدم الحضور وأمّا الثّاني فواضح كما سيأتي وأمّا الثّالث فلروايات العيّاشي وداود وأبان وعبد الرّحمن حيث قيّد الأمر المذكور به فيها بكونه ممّا ستره الله عليه أو ممّا لم يعرفه النّاس هذا مضافا إلى قوله ص وقد سأله أبو ذرّ قدّس سرّه عن الغيبة أنّها ذكرك أخاك بما يكرهه وقوله ص في نبويّ آخر مثل ذلك وقد مرّ أنّ تلك العبارة لا بدّ فيها من تقدير الظَّهور فيوافق ما دلّ على اعتبار المستوريّة من الرّوايات السّابقة وقد يحتمل هنا كون المراد من الموصول فيما يكرهه هو الكلام لعدم تعقيبه بقوله من العيوب ونحوه حتّى يكون مانعا عن الحمل على ما ذكر ويكون كراهته إمّا لكونه إظهارا للعيب وإمّا لكونه صادرا على جهة الذّمّ والاستخفاف وإن لم يكن العيب لم يكره إظهاره لظهوره في نفسه وإمّا لكونه مشعرا بالذّمّ وإن لم يقصد المتكلَّم الذّمّ به كالألقاب المشعرة بالذّمّ ويستشهد على ذاك الاحتمال بقول الجوهري أنّ الغيبة أن يتكلَّم خلف إنسان مستور بما يغمّه لو سمعه بدعوى ظهوره في التّكلم بكلام يعمّه وبقول بعض من قارب عصر المصنّف قدّس سرّه بتطابق الإجماع والأخبار على أنّ الغيبة ذكر الغير بما يكرهه لو سمعه بدعوى ظهوره في إرادة الكلام المكروه ولكن لا يخفى ما فيه احتمالا واستشهادا أمّا الأوّل فلأنّ الأخبار المتواترة حتّى ذيل النّبوي الأوّل مضافا إلى اللَّغة بلحاظ اشتمالها على مثل قوله بما فيه دالَّة على كون الأمر الَّذي اعتبر كراهته من جهة النّبويّين وكلمات اللَّغويّين موجودا في المغتاب والكلام غير قابل لذلك إلَّا بنحو الاستخدام ولا حاجة إليه بعد فرض صحّته بنحو آخر وأمّا الثّاني فلإمكان تقدير الظَّهور بين سمع وضمير المفعول ورجوعه إلى الموصول المراد منه النّقص فيكون حالهما حال عبارة المصباح من حيث المعنى فتأمل فإنه وإن كان ممكنا إلَّا أنّه خلاف الظَّاهر جدّا فالأولى في المناقشة عليه أنّه وإن كان ظاهرا في الاحتمال المذكور إلَّا أنّه لا يعتنى به بعد بيان الغيبة في الأخبار بما يخالفه وأمّا ما ذكره بعض مقارب عصره ففيه أنّه اجتهاد منه قدّس سرّه إذ ليس في الأخبار ما يكون ظاهرا فيما ذكره بل فيها ما هو ظاهر في خلافه كالنّبوي الأوّل بقرينة ذيله ومن هنا يظهر الحال في دعواه الإجماع على ما ذكره وأمّا الرّابع فلجعله المدار في الأخبار بين الغيبة والبهتان وأمّا الخامس فلمّا سبق من النّبويّين حيث اعتبر الكراهة فيهما وقد يقال إنّ النّبويّين وإن دلَّا على اعتبار الكراهة إلَّا أنّ مقتضى إطلاق أدلَّة اعتبار السّتر عدم اعتبارها فيعمل بالثّاني لأجل إمكان العمل لعمومه مع العمل بالخاصّ فلا وجه للتّقييد وفيه منع ثبوت الإطلاق لعدم احتراز كون المتكلَّم في مقام البيان من تمام الجهات إذ الظَّاهر أنّه في مقام بيان اعتبار السّتر مقابل عدمه لا في مقام جميع ما يعتبر فيها كما أنّ أخبار اعتبار الكراهة أيضا كذلك ولا يخفى أنّ قضيّة التّحديدين اعتبارهما معا فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ مفهوم الغيبة قد أخذ فيه تلك الأمور الخمسة لغة وشرعا ولو شكّ في اعتبار واحد منها فالمرجع أصالة البراءة ثمّ إنّه قد اعتبر في حرمة الغيبة شرعا أمر آخر وهو الإسلام لجملة من الأخبار منها الأخبار المتضمّنة للمسلم أو المؤمن ومنها الأخبار الواردة في تحديد الغيبة المشتملة على لفظ الأخ إذ المراد منه بقرينة قوله ع في رواية ابن سرحان هو أن تقول في أخيك في دينه لتقييد الأخوّة بالدّين هو الأخ الدّيني والمراد من الدّين هو الإسلام لنصّ الآية الشّريفة واحتمال تعلَّق في دينه بتقول كي يكون مفاده كون المقول أمرا دينيّا كفعل المحرّمات وترك الواجبات فلا يعمّ ذكره بما يرجع إلى بدنه وخلقه خلاف الظَّاهر إذ الظَّاهر تعلَّقه بالأخ باعتبار تضمّنه معنى الفعل فيعمّ الذّكر بما ذكر أيضا ولكنّه يختصّ بالأخ الدّيني والإنصاف هو الأوّل إذ على الثّاني ينبغي أن يقول في دينك بدل في دينه فافهم فالَّذي ينبغي أن يقال أنّه لا بدّ من رفع اليد عن الأمرين اللَّذين يقتضيهما خبر ابن سرحان أعني اختصاص الغيبة بالذّكر بالأمر الدّيني وعمومها لكون الأخ المذكور بالسّوء غير الأخ في الدّين كالأخ النّسبي الكافر أمّا من الأمر الأوّل فلما في رواية عبد الرّحمن من قوله وأمّا العيب الظَّاهر كالحدّة والعجلة فلا حيث إنّ استثناء الأمر الظَّاهر ممّا ستره الله صريح في عموم الأمر المستور لغير الأمر الدّيني وحينئذ يمكن أن يكون التّخصيص بالأمر الديني في الرّواية المذكورة لشدّة الاهتمام به وأمّا من الأمر الثّاني فلرواية عبد المؤمن الأنصاري عن أبي الحسن ع قال المؤمن أخ المؤمن لأبيه وأمّه ملعون ملعون من اتّهم أخاه إلى أن قال ملعون ملعون من اغتاب أخاه حيث جعل موضوع الغيبة الأخ الإيماني والدّيني فتأمّل وبالجملة لا ريب في اعتبار إسلام المغتاب في الحرمة وأمّا الإيمان بالمعنى الأخصّ فقضيّة إطلاقات أدلَّة الحرمة عدم اعتباره وحكي القول به عن الأردبيلي قدّس سرّه فلا يجوز غيبة المخالف إلَّا أنّ الأقوى اعتباره لما دلّ على عدم احترام المخالف وجواز سبّه ولعنه وهتكه فتقيّد به ولازمه جواز غيبة المخالف لو علم مخالفته للحقّ وكذلك لو شكّ فيه للأصل إذ التّحقيق عدم جواز التّمسّك بالعامّ في الشّبهات المصداقيّة نعم قضيّة الإطلاقات عدم جواز غيبة مطلق الأخ الدّيني ولو لم يكن أخ الثّقة ولا ينافيها أخبار الحقوق الَّتي ذكر المصنف جملة منها في خاتمة المبحث بتقريب أن يقال إنّه لا مجال لحمل الأخ فيها على الأخ الإيماني الصّرف بدون اعتبار خصوصيّة زائدة فيه وإلَّا يلزم استيعاب الأوقات بل التّكليف بما لا يطاق فلا بدّ من حمله على أخ الثّقة مقابل أخ المكاثرة الَّذي قسمه إليهما أمير المؤمنين ع فيما رواه الصّدوق في الخصال وكتاب الإخوان والكليني قدّس سرهما بسندهما عن أبي جعفر عليه السّلام قام إلى أمير المؤمنين ع رجل بالبصرة فقال أخبرنا عن الإخوان فقال ع الإخوان صنفان إخوان الثّقة